الرئيس عبد المجيد تبون: غار جبيلات بداية مشروع وطني شامل والتحول إلى دولة ناشئة رهين باستغلال المناجم
أجرى رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، لقاءه الإعلامي الدوري مع ممثلي وسائل الإعلام الوطنية، تطرق خلاله إلى ملفات استراتيجية كبرى تتعلق بالتحول الاقتصادي، واستغلال الثروات المنجمية، وتطوير البنية التحتية، إلى جانب قضايا اجتماعية واقتصادية ودبلوماسية راهنة. وقد بُثّ اللقاء سهرة السبت عبر القنوات التلفزيونية والإذاعية الوطنية.
وفي مستهل حديثه، توقف رئيس الجمهورية مطولًا عند مشروع الخط المنجمي الغربي غار جبيلات–تندوف–بشار، معبرًا عن شعور خاص رافقه خلال تدشين هذا الإنجاز، واصفًا إياه بأنه شعور “يصعب التعبير عنه”، باعتبار المشروع “معركة من المعارك التي خاضها عظماء هذه البلاد”، ومؤكدًا أن الجيل الحالي يسير على خطاهم من أجل بناء الجزائر، معربًا عن أمله في التوفيق في هذا المسار.
وأوضح رئيس الجمهورية أن الصدى الدولي الواسع الذي رافق هذا المشروع، من خلال التحاليل والتقارير الصادرة عبر مختلف القارات، يعكس أهمية الحدث، ويؤكد أن بناء الأوطان لا يتم إلا بالإيمان والعمل والتضحيات. وفي هذا السياق، ثمّن مجهودات العمال والإطارات وكل من ساهم في إنجاز المشروع أو التخطيط له، معتبرًا أنهم كانوا في مستوى التحدي.
وأشار الرئيس تبون إلى أن الخط المنجمي الغربي مكّن من فك العزلة عن منطقة تندوف، التي وصفها بأنها منطقة “غالية على الجزائريين”، مؤكدًا أن المشروع لا يقتصر على استغلال خام الحديد فقط، بل يشمل أيضًا فك العزلة عن السكان وفتح آفاق جديدة للتنمية المستقبلية، خاصة بالنظر إلى المدة الزمنية القياسية التي سمحت بالوصول إلى هذه النتائج.
وفي هذا الإطار، شدد رئيس الجمهورية على أن الجزائر “بلد المعجزات”، وأن كل من يشكك في النوايا أو في المسيرة الوطنية سينتهي به الأمر إلى الخسارة، موضحًا أن تدشين خط غار جبيلات–تندوف–بشار جمع بين شعور الفرح وأداء الواجب الوطني، لا سيما وأن المنطقة كانت تعاني لسنوات طويلة من العزلة.
وأكد رئيس الجمهورية أن الخط المنجمي الغربي ليس مشروعًا معزولًا، بل يمثل بداية مشروع وطني شامل انطلق بالسكة الحديدية الغربية، وسيُستكمل في أغلبه مع السكة الحديدية لبلاد الهضبة العليا–تبسة وصولًا إلى عنابة، في إطار رؤية متكاملة لربط مختلف مناطق الوطن.
وفي حديثه عن شروط التحول إلى دولة ناشئة، أوضح الرئيس تبون أن الجزائر مطالبة بتوفير ثلاثة عوامل أساسية، على رأسها استغلال المناجم، حتى لا تبقى رهينة المحروقات وأسعارها التي تُحدد خارج إرادتها. وأضاف أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في استخراج الموارد، بل في تحويلها محليًا بدل الاكتفاء بتصدير المواد الخام.
وجدد رئيس الجمهورية تأكيده على ضرورة إدخال السكة الحديدية إلى المناطق المعزولة من أجل تكريس الوحدة الوطنية واستغلال كل ما يوجد على امتداد هذه الخطوط، مضيفًا أن “الراحة لن تتحقق” بالنسبة له إلى غاية وصول القطار إلى تمنراست. وأوضح أن الخط السككي غار جبيلات–تندوف–بشار مخصص لنقل خام الحديد، لكنه موجه كذلك لفك العزلة عن المنطقة وسكانها.
وفي هذا السياق، كشف الرئيس تبون أنه إذا سارت الأمور كما هو مخطط لها، فإن أواخر سنة 2028 ستشهد انطلاق نقل الركاب عبر القطار من تمنراست نحو الجزائر العاصمة، كما أشار إلى أن ربط الشمال بأدرار يُرتقب أن يُستكمل بين أواخر 2026 وبداية السداسي الأول من 2027.
وأكد رئيس الجمهورية أن جميع الخبراء المختصين عبر القارات الخمس أجمعوا على المردودية العالية لمنجم غار جبيلات، خاصة وأن نوعية الحديد المستخرج تُعد من الأنواع الراقية، ما من شأنه أن يجنب الجزائر أعباء كبيرة. وأضاف أن البلاد قد تتوقف نهائيًا عن استيراد خام الحديد خلال السنوات الثلاث المقبلة كحد أقصى.
وأوضح الرئيس تبون أن الجزائر تستورد حاليًا ما يقارب 1.5 مليار دولار سنويًا من خام الحديد، مشيرًا إلى أنه كلما توسعت البلاد في مركبات صناعية كـ“جينجن”، و“توسيالي”، و“الحجار”، ارتفعت فاتورة الاستيراد، وهو ما يستوجب تغيير النموذج. وبيّن أن الطموح يتمثل في تصدير مواد حديدية موجهة للبناء والصفائح لتعويض جزء من مداخيل المحروقات.
وفي هذا الإطار، قدّر رئيس الجمهورية أن الجزائر يمكن أن تربح مبدئيًا 1.5 مليار دولار سنويًا عند التوقف عن استيراد خام الحديد، مؤكدًا أن البلاد ستدخل اقتصاد العملة الصعبة مع استكمال مشروع “توميت” ببشار، الذي يسمح بتنظيف خام الحديد وتحويله إلى حبيبات أو صفائح صغيرة، ما يسهل نقله واستعماله في مصانع الحديد والصلب.
وبخصوص التصدير، أشار الرئيس تبون إلى تقرير حديث صادر عن مكتب دراسات إسباني مختص، أكد بالإجماع المردودية الواضحة لهذا المشروع، معتبرًا أن التشكيك فيه لا يصدر إلا عن “جاحد”.
وكشف رئيس الجمهورية أنه اطّلع على إعلان للشركة الوطنية للنقل بالسكك الحديدية تطلب فيه توظيف 500 عامل لتسيير الخط السككي، واصفًا ذلك بأنه “أول ثمرة” مباشرة لولايتي تندوف وبشار. وأضاف أن التوقعات تشير إلى إمكانية بلوغ 18 ألف منصب شغل، معتبرًا أن هذه الثروة البشرية لا تُقاس بأي ثمن، ومؤكدًا أن عددًا قليلاً فقط من الدول قادر على تجسيد مشاريع بهذا الحجم.
وأوضح الرئيس تبون أن الجزائر وصلت إلى مرحلة “يُحسب لها ألف حساب”، حيث أصبحت قادرة على تجسيد إنجازات كبرى في آجال وجيزة، مستشهدًا بإنجاز جسور بطول أربعة كيلومترات في ستة أو سبعة أشهر، بعد أن كانت البلاد سابقًا تحتاج إلى مناقصات وطنية ودولية لإنجاز جسر بطول 300 متر فقط. وأضاف أن إنجاز 22 كيلومترًا من الجسور وخط السكة الحديدية في ظرف 22 شهرًا يُعد رقمًا مرجعيًا قد يُدرّس لدى المختصين.
وانتقد رئيس الجمهورية الأصوات التي تواصل التشكيك، معتبرًا أن “في قلوبهم مرض”، مضيفًا أن الجزائريين باتوا واعين بحقيقتهم، خاصة وأن العالم بأسره، لا سيما المختصين، تحدثوا عن جدوى المشروع ومردوديته. وأكد أن هناك محاولات لتقليص حجم القرار السياسي الجزائري، غير أن الجهات التي تقف وراء هذه المحاولات تعترف هي نفسها بقدرات الجزائر.
وفي حديثه عن المرحلة المقبلة، أعلن رئيس الجمهورية أن الخطوة الثانية بعد غار جبيلات تتمثل في استغلال منجمي الرصاص والزنك بتالا حمزة ووادي أميزور بولاية بجاية، موضحًا أن الانطلاق سيكون أواخر مارس 2026، مع التأكيد على ضرورة إشراك المواطنين واحترام خصوصيات المنطقة، بما يضمن مردودية اقتصادية محلية ووطنية.
وأضاف أن الجزائر تسعى إلى استغلال مناجم أخرى للوصول إلى تأثير فعلي في السوق العالمية، خاصة في ظل الطلب المرتفع على الزنك. كما كشف عن تركيز الجهود حاليًا على مشروع نقل الفوسفات من بلاد الهضبة إلى ميناء عنابة، بطول يقارب 450 كيلومترًا، لم يتبق منه سوى 175 كيلومترًا في مناطق صعبة تتطلب أنفاقًا وجسورًا، مع توقع الانتهاء منه أواخر 2026 أو بداية 2027.
وعلى الصعيد الاجتماعي والاقتصادي، تطرق رئيس الجمهورية إلى سياسة الدعم الاجتماعي، مؤكدًا ضرورة إعادة النظر فيها لتحقيق العدالة الاجتماعية، خاصة مع تعميم الرقمنة التي ستسمح بتوجيه الدعم نحو مستحقيه الحقيقيين. وأشار إلى تسجيل تبذير كبير خلال شهر رمضان أدى إلى ضياع ملايين الدولارات، داعيًا إلى الحد من هذه الظاهرة.
وأوضح الرئيس تبون أن دراسة إعادة توجيه الدعم قد تُستكمل مع نهاية 2026 وبداية 2027، تزامنًا مع خضوع كل الإجراءات للرقمنة. وأضاف أن بلوغ مداخيل بقيمة 400 مليار دولار قد يسمح للجزائر بالتحول فعليًا إلى دولة ناشئة، مشيرًا إلى أن الصادرات خارج المحروقات بلغت 5 مليارات دولار، وهو رقم غير مسبوق منذ الاستقلال.
وأكد رئيس الجمهورية أن العلاقات التجارية مع دول الاتحاد الأوروبي “جيدة”، مشددًا على رفض أي مديونية خارجية، مع الحفاظ على الطابع الاجتماعي للدولة. كما أشار إلى أن القدرة الشرائية مضمونة بالنسبة للمواد الأساسية، وأن الدولة رفعت الأجور بنحو 50 في المئة، وحافظت على قيمة الدينار رغم الصدمات الاقتصادية العالمية.
وفي ختام حديثه، أكد رئيس الجمهورية أنه لن تكون هناك محطات دفع على الطريق السيار، خلافًا لما يُروّج، مشددًا على أن الجزائر دولة اجتماعية تراقب وضعية الطبقة الكادحة باستمرار. كما أشار إلى إمكانية اللجوء إلى الاقتراض من البنك الإفريقي لبناء منشآت قاعدية كبرى، دون أن يؤثر ذلك على مواقف الجزائر الثابتة، وفي مقدمتها الدفاع عن القضايا العادلة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
رئيس الجمهورية يُشرف على الانطلاق الرسمي لاستغلال الخط المنجمي الغربي غار جبيلات – تندوف – بشار
حلّ رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، اليوم بولاية بشار، حيث حطّت طائرته بمطار بودغن …






