العفو عن صنصال… كيف خطف قرار الرئيس تبون أنظار أوروبا؟
تحوّل قرار العفو الذي أصدره الرئيس عبد المجيد تبون عن الروائي الجزائري بوعلام صنصال إلى حدث مفصلي تابعته الصحافة الدولية بوصفه خطوة استثنائية جمعت بين البعد الإنساني والحكمة السياسية في لحظة حساسة تمر بها المنطقة. فقد انشغلت الصحف الفرنسية والإسبانية والألمانية والسويسرية بتحليل القرار، معتبرة أنّ الجزائر قدمت نموذجًا سياسيًا لافتًا في إدارة ملف بالغ التعقيد، وأن العفو الرئاسي حمل رسائل أوسع من مجرد إنهاء مسار قضائي.
ففي تقرير موسع نشرته Le Monde، قدّمت الصحيفة قراءة مفصّلة لوضع الكاتب قبل العفو، مؤكدة أن صنصال، البالغ واحدًا وثمانين عامًا والمصاب بالسرطان، قضى سنة في السجن بعد الحكم عليه بخمس سنوات. ونقلت الصحيفة أنّ القرار جاء بعد طلب رسمي من الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير، الذي طلب السماح له بالسفر إلى ألمانيا لتلقي العلاج. وقد اعتبرت Le Monde أن العفو «يضع حدًا لمسار قضائي حظي باهتمام كبير في فرنسا» وأن الجزائر تعاملت مع الملف بـ«اعتبار إنساني واضح» ترافق مع تقييم طبي دقيق.
وفي اليوم الموالي، عمّقت Le Monde تحليلها من زاوية دولية عبر نسختها الخاصة بإفريقيا (Le Monde Africa)، موضحة أن ألمانيا لعبت دور الوسيط “الفاعل والثقة” بين باريس والجزائر، وأن العفو سمح للطرفين — فرنسا والجزائر — بتجاوز الاحتقان دون ظهور منتصر أو منهزم. وأكدت الصحيفة أن المسار الألماني مثّل خيارًا هادئًا، خصوصًا في ظل حساسية العلاقات الجزائرية الفرنسية في الأشهر الأخيرة، وأن برلين تحركت بدافع إنساني محض، ما أتاح للجزائر اتخاذ القرار بسيادة تامة. وقد رأت الصحيفة أن هذه الوساطة جنّبت فرنسا الحرج وسمحت للجزائر بالحفاظ على توازن دبلوماسي دقيق في ملف شديد الحساسية.
وبالتوازي مع Le Monde، قدّمت France 24، في تغطيتها الرسمية باللغة الإسبانية، قراءة تركز على مضمون البيان الصادر عن رئاسة الجمهورية الجزائرية، الذي أوضح أن العفو جاء بناءً على “اعتبارات إنسانية مرتبطة بتقدم سنّ صنصال ووضعه الصحي”. وأشارت المنصة إلى أن الطلب الألماني كان محور القرار، وأن الجزائر تعاملت معه في إطار “إنساني استثنائي”، مؤكدة نقله مباشرة إلى ألمانيا للعلاج عقب الإفراج عنه. وقد شددت France 24 على أن الموقف الفرنسي الرسمي اتسم بالارتياح والاحترام للقرار الجزائري، باعتباره خطوة تعكس سيادة القرار الوطني من جهة، وتفتح الباب لتهدئة دبلوماسية من جهة ثانية.
ويتضح من مجمل التغطية الفرنسية أن القرار لم يُقرأ في باريس باعتباره مجرد إجراء قضائي، بل كخطوة سياسية وإنسانية مركبة. فقد رأت الصحف الفرنسية أن الرئيس عبد المجيد تبون قدّم بمبادرته «حلاً غير تقليدي» في لحظة شديدة الحساسية، وأن العفو — في توقيته وطريقته — أبرز ما وصفته التحليلات بأنه «إنسانية القيادة الجزائرية» و«مرونتها في التعامل مع وضع إنساني دون التفريط في السيادة». كما أبرزت الصحافة الفرنسية أن اللجوء إلى الوساطة الألمانية منح القرار طابعًا هادئًا وعمليًا، وجعل الجزائر تظهر طرفًا قادرًا على إدارة ملفاتها الصعبة بمعايير ذاتية لا تخضع لأي ضغوط خارجية، وهو ما لفت انتباه الساسة والمتابعين في أوروبا.
ومع انتقال صنصال مباشرة إلى برلين لتلقي العلاج، اكتملت ملامح المشهد كما وصفته الصحافة الفرنسية، قرار سيادي، توقيت حساس، معالجة إنسانية نادرة، واستقبال أوروبي اتسم بالإعجاب والدهشة. وهكذا، بدا العفو — كما كتبت Le Monde — «خاتمة غير متوقعة لملف كان مرشحًا لمزيد من التصعيد». وبذلك، شكّل القرار تحولًا بارزًا قرأته باريس لا كتنازل، بل كـ«رسالة قوة هادئة» من الجزائر، وكتأكيد على أن السياسة ليست دائمًا مسارًا مغلقًا، وأن المبادرات الإنسانية — حين تأتي في لحظة دقيقة — يمكن أن تعيد ترتيب المشهد كله.
أما صحيفة Deutsche Welle الألمانية فقد كتبت بوضوح أنّ طلبًا مباشرًا من الرئيس الألماني هو ما فتح الباب أمام حلّ “إنساني قبل أن يكون سياسيًا”. وذكرت أن السلطات الجزائرية تابعت عن قرب الحالة الصحية للكاتب، ووافقت على نقله فورًا إلى برلين حيث تلقى رعاية طبية عاجلة. وأكدت الصحيفة الألمانية أن قرار الرئيس تبون أثار “إعجاب الدبلوماسيين الأوروبيين” لأنه جمع بين سيادة القرار الوطني والاستجابة لإنسانية الموقف. ولم تختلف Die Welt الألمانية في قراءتها، إذ قالت إن تبون “أدار ملفًا حساسًا بحكمة”، وأن العفو جاء بعد طلب ألماني موثق، وفي سياق علاقات ثقة متينة بين البلدين ظهرت خلال فترات سابقة من التعاون الصحي والدبلوماسي. ورأت الصحيفة أن برلين لم تكن لتتدخل لولا معرفتها بأن الجزائر قادرة على اتخاذ قرار سيادي مستقل، وأن استجابة تبون عززت الصورة الإيجابية التي تقدمها الجزائر في ملفات إنسانية ذات طابع دولي.
وفي إسبانيا، وصفت صحيفة El País القرار بأنه “تحول مفاجئ” في ملف أثار اهتمامًا واسعًا في الأوساط الثقافية الأوروبية، إذ أشارت إلى أن الكاتب حظي بدعم شخصيات عالمية، بينهم أربعة من الحاصلين على جائزة نوبل. وذكرت الصحيفة أن الحكم السابق بخمس سنوات سجناً كان قد أثار نقاشًا في أوروبا حول حرية التعبير، لكن قرار العفو “أغلق الملف بطريقة إنسانية مرتبطة بالسنّ والمرض”. وأبرزت الصحيفة أن صنصال نُقل فورًا إلى برلين وأن وضعه الصحي كان في تدهور مستمر، وهو ما منح القرار أبعادًا إنسانية واضحة.
وفي التغطية نفسها، ربطت صحيفة ABC الإسبانية بين الإفراج وبين حالة التوتر السابقة بين باريس والجزائر. فقد رأت أن الملف كان في قلب تلك التوترات، وأن باريس لم تتمكن من التدخل مباشرة بسبب حساسية العلاقات الثنائية، ما جعل ألمانيا “تتقدم حيث لا يمكن لفرنسا أن تتحرك”. وأبرزت الصحيفة أن الرئيس تبون “فاجأ المراقبين” باستجابته للطلب الألماني، وأن القرار مثّل مؤشرًا على انفتاح سياسي محسوب.
أما swissinfo السويسرية فقد ركّزت على رد الفعل الفرنسي، مشيرة إلى أن باريس استقبلت القرار بـ”ارتياح واضح”، وأن مسؤولين فرنسيين صرّحوا بأن القضية تتعلق بـ”حرية الفكر والكتابة والنقاش”. واعتبرت المنصة أن قرار الجزائر “قلب المشهد” ووضع حدًا لملف كان مرشحًا لمزيد من التصعيد، خصوصًا مع التفاعلات الثقافية الواسعة حوله في أوروبا.
وبالنظر إلى ما كتبته مختلف الصحف الأوروبية، فإن القاسم المشترك بينها هو التأكيد على أن القرار جاء استجابة لوضع صحي دقيق، وفي إطار تقدير إنساني عميق، وفي الوقت نفسه لم يمسّ بسيادة الجزائر أو استقلال قرارها. بل إن معظم التحليلات الأوروبية رأت في القرار خطوة سياسية ناضجة، عبّرت عن قدرة الجزائر على توظيف أدوات الدبلوماسية الهادئة، وفتح أبواب الحلول دون ضجيج أو مواجهة.
ولم تتردد بعض المنابر الأوروبية في وصف القرار بأنه “خطوة إنسانية أبهرت العواصم الأوروبية”، بالنظر إلى التوقيت والظروف المحيطة. فالعفو جاء في سياق سياسي محتقن، وفي وقت تنتظر فيه المنطقة خطوات تهدئة مسؤولة، وهو ما جعل الصحف تتوقف عند “إنسانية الرئيس تبون” التي انعكست في القرار، معتبرة أنه قدّم للجزائر صورة دولة تتعامل مع القضايا الصعبة بقدر كبير من الحكمة والمرونة.
وبذلك، يظهر من مجمل التغطيات الأوروبية أن قرار العفو لم يُقرأ فقط كحلّ لقضية فردية، بل كإشارة سياسية وإنسانية ذات تأثير أوسع، أظهرت قدرة الجزائر على المبادرة في لحظات معقدة، وقدّمت نموذجًا في الدبلوماسية الهادئة التي تجمع بين احترام السيادة وإعلاء القيم الإنسانية في آن واحد.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
فرنسا تستعد لإعادة أسلحة للأمير عبد القادر إلى الجزائر
كشفت تقارير إعلامية وتصريحات لمؤرخين فرنسيين عن اقتراب إعادة مجموعة من الأسلحة التاريخية ا…







