حرب ترامب لإسقاط الصين وروسيا!
يتزايد النقاش في الأوساط السياسية والاستراتيجية حول طبيعة الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، وما إذا كانت تتجاوز حدود المواجهة مع إيران لتندرج ضمن صراع دولي أوسع يتعلق بالتنافس بين الولايات المتحدة من جهة والصين وروسيا من جهة أخرى. ويرى عدد من المحللين أن السياسات التي تنتهجها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعكس محاولة لإعادة ضبط موازين القوة العالمية، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي خلال السنوات الأخيرة.
في هذا السياق، يشير بعض المتابعين إلى أن الصراع على النفوذ في مناطق مختلفة من العالم، ومنها أمريكا اللاتينية، يقدم نموذجًا لفهم هذه المواجهة الجيوسياسية. فقد شهدت فنزويلا خلال السنوات الماضية ضغوطًا أمريكية واسعة شملت عقوبات اقتصادية وإجراءات سياسية بهدف إضعاف نظام الرئيس نيكولاس مادورو. ويُنظر إلى هذه السياسات ضمن إطار تنافس أوسع على النفوذ في القارة، حيث عززت كل من روسيا والصين حضورها الاقتصادي والاستثماري في عدد من دول أمريكا اللاتينية، خصوصًا في قطاع الطاقة والبنية التحتية.
وترى تحليلات استراتيجية أن واشنطن تنظر تقليديًا إلى هذه المنطقة باعتبارها مجالًا حيويًا لأمنها القومي، وهو ما يجعل أي توسع روسي أو صيني فيها موضع حساسية سياسية واقتصادية. وقد برز هذا التنافس بشكل خاص في قطاع النفط الفنزويلي، حيث دخلت شركات روسية وصينية في شراكات واستثمارات مع كاراكاس، وهو ما اعتبرته بعض الدوائر في واشنطن تحديًا مباشرًا لنفوذها التقليدي في القارة.
أما في الشرق الأوسط، فيرى بعض الباحثين أن المواجهة مع إيران ترتبط أيضًا بهذا السياق الأوسع للتنافس بين القوى الكبرى. فطهران ترتبط بعلاقات سياسية واقتصادية متنامية مع كل من الصين وروسيا، كما وقعت مع بكين برنامج تعاون استراتيجي طويل الأمد يُقدَّر حجمه النظري بحوالي 400 مليار دولار على مدى 25 عامًا، وفق مسودات وتقارير إعلامية متداولة. ويشمل هذا البرنامج مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل، ويرتبط بشكل وثيق بمبادرة “الحزام والطريق” التي تسعى الصين من خلالها إلى بناء شبكة واسعة من الممرات التجارية والاقتصادية عبر آسيا والشرق الأوسط وأوروبا.
وتشير تقارير اقتصادية إلى أن الصين تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة من الخارج لتغذية اقتصادها الصناعي الضخم، ويظل الشرق الأوسط أحد أهم مصادر النفط بالنسبة لها، رغم تغير الأوزان النسبية بين الموردين خلال السنوات الأخيرة مع صعود روسيا وأمريكا اللاتينية كمصدرين مهمين أيضًا. وفي هذا الإطار، يكتسب موقع إيران الجيوسياسي أهمية خاصة، إذ تقع على ضفاف الخليج العربي وتشرف على مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية.
من جهة أخرى، يرى بعض المحللين أن السياسة الخارجية الأمريكية خلال السنوات الأخيرة أصبحت أكثر تركيزًا على احتواء صعود الصين كقوة اقتصادية وعسكرية عالمية. فالتنافس بين واشنطن وبكين لم يعد يقتصر على المجال التجاري، بل امتد إلى التكنولوجيا والطاقة وسلاسل الإمداد والتحالفات الجيوسياسية. ويُنظر إلى الشرق الأوسط، بما يملكه من موارد طاقة وممرات استراتيجية، باعتباره أحد المسارح الرئيسية لهذا التنافس.
كما يأتي هذا التصعيد في وقت يشهد فيه النظام الدولي تحولات عميقة، خاصة بعد الحرب في أوكرانيا التي دفعت روسيا إلى تعزيز تعاونها مع الصين وعدد من الدول الصاعدة. وقد أعاد هذا التقارب الروسي-الصيني، إضافة إلى توسع مجموعة “بريكس”، فتح النقاش حول مستقبل النظام الدولي وإمكانية انتقاله تدريجيًا نحو شكل أكثر تعددية في موازين القوة العالمية.
وفي هذا السياق، تمثل إيران نقطة تقاطع مهمة بين عدة ملفات استراتيجية، فهي ترتبط بعلاقات عسكرية واقتصادية مع موسكو، كما تعد شريكًا مهمًا في بعض المشاريع الاقتصادية الصينية. ويشير بعض المحللين إلى أن أي تغيير في موقع إيران الجيوسياسي أو في طبيعة علاقاتها الإقليمية قد يؤثر بشكل مباشر في شبكة التحالفات التي تتشكل حاليًا خارج الإطار التقليدي الذي قادته الولايات المتحدة لعقود.
أما على المستوى العسكري، فيحذر عدد من الخبراء من أن أي مواجهة واسعة مع إيران لن تكون سهلة أو سريعة الحسم، نظرًا لحجم القدرات العسكرية التي طورتها طهران خلال العقود الماضية، إضافة إلى تعقيد جغرافيتها واتساع أراضيها. كما تمتلك إيران شبكة من الحلفاء الإقليميين يمكن أن يؤدي تدخلهم إلى توسيع نطاق الصراع في حال استمرار التصعيد العسكري.
وفي ما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، تشير تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن طهران راكمت خلال السنوات الأخيرة مخزونًا من اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 60 في المئة، وهو مستوى يثير قلق الدول الغربية لأنه يقترب من العتبة التقنية اللازمة لصناعة سلاح نووي في حال رفع التخصيب إلى نحو 90 في المئة. غير أن إيران تؤكد باستمرار أن برنامجها النووي يظل مخصصًا للأغراض السلمية، وتنفي سعيها إلى تطوير سلاح نووي.
في ضوء هذه المعطيات، يذهب عدد من المحللين إلى أن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط قد تكون جزءًا من صراع جيوسياسي أوسع يتعلق بإعادة رسم موازين القوى العالمية. فالتوترات في هذه المنطقة لم تعد منفصلة عن التنافس بين القوى الكبرى، بل أصبحت أحد مسارحه الأساسية، حيث تتقاطع فيه ملفات الطاقة والتجارة والأمن الدولي.
ومع استمرار التصعيد العسكري وتزايد التوترات الدولية، تبقى جميع السيناريوهات مفتوحة، بين إمكانية احتواء الأزمة عبر المسار الدبلوماسي أو تحولها إلى مواجهة أوسع قد تعيد تشكيل التوازنات الجيوسياسية في المنطقة والعالم خلال السنوات المقبلة.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
أنبوب الغاز المغاربي.. خطاب الضحية يعود من الرباط
صرحت وزيرة الاقتصاد والمالية المروكية نادية فتاح، خلال مقابلة مع قناة فرنسية متخصصة في الا…






