‫الرئيسية‬ الأولى صراع صامت لتزييف الإسلام الجزائري
الأولى - الافتتاحية - الحدث - الوطني - رأي - ‫‫‫‏‫8 دقائق مضت‬

صراع صامت لتزييف الإسلام الجزائري

صراع صامت لتزييف الإسلام الجزائري
ما يجري اليوم داخل المجال الديني في الجزائر لا يمكن قراءته باعتباره اختلافًا فقهيًا عاديًا أو نقاشًا عقديًا محدود التأثير. المسألة تتعلق بتحول أعمق يمس طبيعة التوازن الذي حكم العلاقة بين الدين والمجتمع منذ الاستقلال، بل منذ قرون قبل ذلك. فالمجال الديني الجزائري لم يُبنَ على نموذج أحادي، وإنما على صيغة تاريخية مركبة جمعت بين الفقه المالكي والتصوف والزوايا والتعليم الديني المحلي، وهي صيغة أنتجت نمطًا من التدين الاجتماعي المستقر نسبيًا حتى في فترات الاضطراب السياسي.

هذا التوازن لم يكن مجرد خيار ديني، بل كان عنصرًا من عناصر الاستقرار الوطني. لذلك فإن أي خطاب يسعى إلى إعادة تقييم هذا الإرث أو تصنيفه عقديًا لا يبقى داخل حدود النقاش النظري، بل يدخل مباشرة في صميم البنية الاجتماعية. هنا تحديدًا تظهر حساسية الخطاب الذي يقدمه التيار المدخلي، والذي يمثله الشيخ فركوس، لأن تأثيره لا يقاس فقط بما يقوله نصيًا، بل بالتحولات التي يحدثها في طريقة فهم الدين داخل المجتمع.

الفتوى رقم 157 تمثل مثالًا واضحًا على هذا التحول. فالنص ينطلق من سؤال عقدي تقليدي حول عبادة الله بين الخوف والرجاء، لكنه ينتقل إلى نقد التصورات الصوفية وربطها بمفاهيم مثل الحلول ووحدة الوجود. هذه الصياغة، حتى في غياب حكم تكفيري مباشر، تؤسس لخط فاصل بين تصورين للدين، أحدهما يُقدَّم باعتباره مطابقًا للنصوص، والآخر باعتباره مسارًا يؤدي إلى انحراف عقدي. في مجتمع يشكل فيه التصوف جزءًا واسعًا من الممارسة الدينية اليومية، يتحول هذا الطرح إلى إعادة تقييم ضمنية لشرعية تدين جماعي كامل.

الإشكال هنا ليس في وجود اختلاف فكري، فالاختلاف جزء أصيل من تاريخ الإسلام، بل في طبيعة اللغة المستخدمة عندما تنتقل من عرض رأي إلى إعادة ترتيب المجال الديني وفق معيار واحد. التجارب التاريخية تُظهر أن التحولات الكبرى داخل المجتمعات تبدأ غالبًا بإعادة تعريف المفاهيم قبل ظهور نتائجها السياسية أو الأمنية. اللغة تسبق الواقع، وإعادة توصيف التدين تسبق دائمًا إعادة تشكيل المجتمع.

الجزائر عرفت هذه المرحلة سابقًا. في التسعينيات، لم تبدأ الأزمة الأمنية بعمل مسلح، بل بمرحلة فكرية أعادت تقسيم المجتمع إلى فئات دينية متقابلة. آنذاك بدا الأمر نقاشًا فكريًا في البداية، قبل أن يتحول تدريجيًا إلى صراع شامل. لهذا السبب تحديدًا يظل أي خطاب يقوم على تضييق دائرة الشرعية الدينية موضوعًا حساسًا داخل الوعي الجماعي الجزائري، ليس بسبب مضمونه فقط، بل بسبب الذاكرة التي يستدعيها.

التيار المدخلي يطرح نفسه باعتباره تيارًا يركز على الاستقرار وطاعة السلطة والابتعاد عن الصراع السياسي. غير أن المفارقة تظهر عندما يتحول الإفتاء خارج المؤسسات الرسمية إلى مصدر تأثير واسع. فالدولة الحديثة تنظم المجال الديني عبر مؤسسات محددة لضمان وحدة المرجعية، بينما يؤدي انتشار خطاب ديني مؤثر خارج هذا الإطار إلى نشوء مرجعيات موازية، حتى وإن لم تعلن نفسها كذلك. في هذه الحالة، لا يعود الأمر مجرد دعوة دينية، بل يصبح إعادة توزيع للسلطة الرمزية داخل المجتمع.

وجود سلطة دينية غير مؤسساتية قادرة على التأثير في السلوك الاجتماعي يطرح مسألة تتعلق بطبيعة الدولة نفسها. فالمجال الديني ليس فضاءً منفصلًا عن المجال السياسي، بل أحد عناصر الاستقرار العام. وعندما تتعدد الجهات التي تحدد المعايير الدينية، يتحول الدين من عامل توحيد إلى مجال تنافس غير معلن على التأثير الاجتماعي.

التجارب المقارنة في المنطقة تشير إلى أن الدول التي تجاهلت التحولات الفكرية داخل المجال الديني في مراحلها الأولى وجدت نفسها لاحقًا أمام أزمات مركبة يصعب احتواؤها. السبب لا يعود إلى قوة الأفكار المتشددة بقدر ما يعود إلى قدرتها على التغلغل تدريجيًا داخل المجتمع دون أن تُقرأ باعتبارها تحولًا بنيويًا.

في الحالة الجزائرية، المسألة أكثر تعقيدًا بسبب وجود نموذج ديني تشكل تاريخيًا بوصفه عنصرًا من عناصر الهوية الوطنية. إعادة تعريف هذا النموذج لا تعني تغييرًا فقهيًا فقط، بل تمس توازنًا اجتماعيًا تشكل عبر أجيال. لذلك فإن النقاش الدائر اليوم لا يتعلق بمدرسة دينية ضد أخرى، بل بمن يملك حق تحديد المرجعية داخل المجال العام، وهل يبقى هذا الدور ضمن المؤسسات أم ينتقل تدريجيًا إلى خطابات موازية.

التحولات الفكرية لا تظهر نتائجها فورًا. تبدأ بإعادة صياغة المفاهيم، ثم بإعادة تشكيل الوعي، ثم بإنتاج واقع جديد يبدو طبيعيًا بعد أن كان استثناءً. أخطر ما في هذه المراحل ليس سرعتها، بل بطؤها، لأنها تجعل التغيير غير مرئي إلى أن يصبح واقعًا قائمًا.

الجزائر اليوم لا تواجه أزمة دينية، بل مرحلة اختبار تتعلق بقدرتها على حماية توازنها التاريخي دون الدخول في صدام مفتوح داخل المجال الديني. المسألة لم تعد سؤالًا فقهيًا، بل سؤالًا يتعلق بالسيادة الرمزية، أي من يحدد المعنى الذي ينتظم حوله المجتمع.

فالدول لا تفقد استقرارها عندما يظهر خطاب متشدد، بل عندما يتحول تعريف المجتمع لنفسه إلى ساحة مفتوحة لإعادة الصياغة المستمرة.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

الشيخ فركوس والتيار المدخلي… خطاب التكفير ومخاوف عودة الانقسام الديني في الجزائر

تتداول أوساط شبابية  معلومات تفيد بأن أتباع الشيخ فركوس، المحسوب على التيار المدخلي في الج…