‫الرئيسية‬ الأولى لماذا تحتاج الجزائر إلى حرب فكرية ضد التطرف؟
الأولى - الافتتاحية - الحدث - الوطني - رأي - ‫‫‫‏‫3 دقائق مضت‬

لماذا تحتاج الجزائر إلى حرب فكرية ضد التطرف؟

لماذا تحتاج الجزائر إلى حرب فكرية ضد التطرف؟
أكد رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، الفريق أول السعيد شنقريحة، من ولاية تبسة، أن الجيش سيواصل محاربة الإرهاب دون هوادة، وهو تصريح يعيد إلى الأذهان مرحلة حاسمة من تاريخ الجزائر، حين تمكنت المؤسسة العسكرية من هزيمة الجماعات الإرهابية ميدانياً خلال تسعينيات القرن الماضي.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بإلحاح هو: هل يكفي الحسم العسكري وحده للقضاء على الظاهرة؟ أم أننا أمام معادلة غير متوازنة، يتم فيها القضاء على الإرهابيين في الميدان، بينما تُعاد إنتاج أسباب التطرف في الفضاءات الفكرية والدينية والإعلامية؟

المفارقة التي لا يمكن تجاهلها أن المعركة ضد الإرهاب لا تُخاض فقط في الجبال، بل تبدأ قبل ذلك بكثير، في المنابر، وفي الخطاب الديني، وعلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث يتم أحياناً نشر أفكار متشددة أو تكفيرية تتعارض مع المرجعية الدينية الوطنية. هذه الفضاءات، إن لم تُضبط، يمكن أن تتحول إلى بيئات حاضنة لإعادة إنتاج التطرف، حتى وإن تم القضاء على مظاهره المسلحة.

الخطر لا يكمن فقط في الأفراد الذين يحملون السلاح، بل في القاعدة الاجتماعية والفكرية التي قد تسمح بظهور موجات جديدة من التطرف. والتجربة الجزائرية في التسعينيات تظل دليلاً واضحاً على أن تجاهل هذا البعد قد يقود إلى نتائج كارثية تهدد استقرار الدولة نفسها.

من هنا، يصبح من الضروري التفكير في مقاربة شاملة، لا تقتصر على الجانب الأمني، بل تشمل أيضاً إصلاح الخطاب الديني، وتعزيز المرجعية الوطنية، ومراقبة الفضاءات التي قد تُستغل لنشر الفكر المتطرف. فالمعركة ضد الإرهاب هي في جوهرها معركة وعي قبل أن تكون معركة سلاح.

ولا يمكن إنكار أن الساحة الدينية في الجزائر تعرف تعدداً في التيارات، وهو أمر طبيعي في أي مجتمع، غير أن الإشكال يطرح عندما تتحول بعض الخطابات إلى أدوات للتشكيك في الثوابت الدينية الوطنية أو إلى وسيلة لبث أفكار متشددة بين الشباب. وهنا تبرز مسؤولية المؤسسات الدينية والتربوية والإعلامية في حماية المجتمع من هذا الانزلاق.

كما أن فعالية وزارة الشؤون الدينية والمؤسسات المعنية بالتأطير الديني تظل محل تساؤل لدى جزء من الرأي العام، خاصة في ظل الشعور بأن تأثيرها لا يوازي حجم التحديات المطروحة. فالمعركة الفكرية تتطلب أدوات حديثة، وخطاباً مقنعاً، وقدرة على الوصول إلى الشباب بلغتهم وأدواتهم، وليس فقط عبر القنوات التقليدية.

وفي السياق ذاته، فإن الساحة السياسية بدورها مطالبة بلعب دور أكثر فاعلية في تحصين المجتمع، من خلال تقديم بدائل فكرية وسياسية تعزز الانتماء الوطني وتُضعف جاذبية الخطابات المتطرفة. فالتطرف لا ينمو في الفراغ، بل يجد بيئة خصبة حين تغيب البدائل المقنعة.

إن الاعتماد على الجيش الوطني الشعبي وحده في مواجهة الإرهاب، رغم أهميته ونجاعته في الجانب الميداني، لا يمكن أن يشكل حلاً كاملاً. فالقضاء على الإرهاب يتطلب انسجاماً بين العمل الأمني والعسكري من جهة، والعمل الفكري والديني والتربوي من جهة أخرى.

الجزائر اليوم أمام مفترق طرق، إما الاستفادة من دروس الماضي وبناء استراتيجية شاملة تجفف منابع التطرف، أو الاستمرار في معالجة النتائج دون الأسباب، وهو ما قد يطيل أمد التهديد ويُبقي البلاد في حالة استنزاف دائم.

إن حماية الجزائر لا تكون فقط بحراسة حدودها، بل أيضاً بحماية عقول أبنائها. وأي خلل في هذه المعادلة قد يجعل من الانتصارات العسكرية إنجازات مؤقتة، لا تلبث أن تتآكل أمام موجات جديدة من التطرف.

لذلك، فإن الرهان الحقيقي اليوم هو تحقيق تكامل فعلي بين مختلف مؤسسات الدولة والمجتمع، لأن المعركة ضد الإرهاب لا تُحسم بالسلاح وحده، بل تُحسم أيضاً بالفكر، وبالوعي، وبقدرة الدولة على حماية مرجعيتها وهويتها الوطنية.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

ترامب يواجه صعوبات لوقف الحرب ضد إيران… وأوروبا ترفض الانخراط

تتواصل تداعيات الحرب المتصاعدة ضد إيران في ظل مؤشرات واضحة على تعقّد المشهد الدولي، حيث يو…