هل يتهرّب ترامب من الحرب؟
تداولت مختلف وسائل الإعلام الأمريكية تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أشار فيها إلى احتمال انسحاب الولايات المتحدة من الحرب، مؤكدًا أنه لم يعد معنيًا بما سماه “تحرير مضيق هرمز”، ومضيفًا أن من يريد ذلك “فليذهب ويقوم به بنفسه”. وقد نزل هذا التصريح كالصاعقة على دول الخليج، التي بدت وكأنها انتقلت من موقع المتحفظ في بداية الأزمة إلى المطالبة باستمرار العمليات العسكرية، معتبرة أن الولايات المتحدة فتحت باب المواجهة وعليها أن تتحمل تبعاتها إلى النهاية، خاصة فيما يتعلق بمشروع إضعاف إيران أو استهداف قدراتها.
ويجد ترامب نفسه اليوم في وضع سياسي وعسكري معقد لا يُحسد عليه، حيث تتزايد الضغوط عليه من عدة جبهات. فعسكريًا، تشير المعطيات إلى خسائر متزايدة، فيما يُنظر إلى خيار التدخل البري أو إنزال قوات أمريكية على أنه مغامرة عالية المخاطر قد تكون لها كلفة بشرية وسياسية باهظة. داخليًا، تتصاعد المعارضة الشعبية، حيث خرج ملايين الأمريكيين في مظاهرات رافضة للحرب، ما يهدد مستقبل ترامب السياسي. أما اقتصاديًا، فقد شهدت الولايات المتحدة ضغوطًا متزايدة، خصوصًا مع ارتفاع أسعار الطاقة بنسبة كبيرة خلال فترة وجيزة، وهو ما ينعكس مباشرة على القدرة الشرائية للمواطن الأمريكي.
في المقابل، تواصل إيران إظهار قدرات على الصمود، حيث استمرت في الرد على الضربات عبر إطلاق صواريخ باتجاه “إسرائيل” وبعض المواقع في المنطقة، رغم مرور أسابيع على بداية العمليات العسكرية التي شنتها كل من الولايات المتحدة و“إسرائيل”. هذا الوضع انعكس أيضًا على الداخل الإسرائيلي، حيث بدأت الانتقادات تتصاعد ضد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي كان قد وعد بحسم سريع وتغيير النظام في إيران، وهو ما لم يتحقق، بل أدى إلى دخول إسرائيل في حالة استنزاف أمني ونفسي متواصل.
وعلى المستوى الدولي، لم ينجح ترامب في حشد دعم أوروبي واسع، إذ أبدى عدد من القادة الأوروبيين تحفظهم على الانخراط في هذا الصراع، معتبرين أنه لا يمثل أولوية أوروبية، بل يرتبط أساسًا بحسابات أمريكية-إسرائيلية. وفي هذا السياق، قللت كايا كالاس، المفوضة الأوروبية للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، من تأثير الحرب على إمدادات الطاقة نحو أوروبا، مشيرة إلى أن اعتماد القارة على نفط الخليج محدود، وبالتالي فإن تداعيات الأزمة تبقى نسبية على الاقتصاد الأوروبي.
أمام هذا المشهد المعقد، يبدو أن ترامب بدأ في التراجع تدريجيًا عن أهدافه المعلنة في بداية الحرب، حيث انتقل الخطاب من إسقاط النظام في إيران، إلى إضعافه، ثم إلى التركيز على السيطرة على مضيق هرمز، قبل أن يصل اليوم إلى طرح فكرة الانسحاب. هذا التدرج يعكس صعوبة تحقيق الأهداف المعلنة، كما يكشف عن غياب رؤية استراتيجية واضحة لإدارة الصراع. ويذهب بعض المحللين إلى أن الحرب، التي ارتبطت بشكل وثيق بسياسات بنيامين نتنياهو، أصبحت تُصنف دوليًا كصراع تقوده واشنطن و“إسرائيل”، دون انخراط فعلي من باقي القوى الكبرى.
داخليًا، يواجه ترامب أيضًا تحديات على مستوى المؤسسات، حيث قد يرفض الكونغرس الأمريكي تمرير طلب تمويل إضافي يُقدّر بـ200 مليار دولار لدعم العمليات العسكرية. وتشير بعض المعطيات إلى نية الإدارة إعادة توجيه موارد من قطاعات مدنية، مثل الصحة، نحو المجهود الحربي، وهو ما قد يفاقم الجدل السياسي ويزيد من حدة الانقسام الداخلي.
وفي ظل هذه التطورات، يطرح تصريح ترامب حول الانسحاب تساؤلات جدية حول مستقبل هذا الصراع. فهل هو مجرد تكتيك سياسي للضغط، أم بداية تراجع فعلي يعكس فشلًا في إدارة حرب خرجت عن السيطرة؟ المؤكد أن الولايات المتحدة تجد نفسها اليوم أمام معادلة معقدة: الاستمرار في حرب مكلفة وغير مضمونة النتائج، أو الانسحاب بما يحمله ذلك من تداعيات على صورتها كقوة عالمية.
وفي المحصلة، تعكس هذه التطورات أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل تحولت إلى أزمة متعددة الأبعاد، تمتد آثارها إلى السياسة والاقتصاد والاستقرار الإقليمي. ومع استمرار التصعيد، ودخول أطراف جديدة على خط المواجهة، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تتجه واشنطن نحو الخروج من هذا المستنقع، أم أن منطق التصعيد سيظل هو الحاكم في المرحلة المقبلة؟
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
بلجيكا… ملاذ الجزائريين الآمن منذ أكثر من قرن
تشكل زيارة وزير الشؤون الخارجية أحمد عطاف إلى بروكسل محطة سياسية ذات دلالات تاريخية عميقة،…






