‫الرئيسية‬ في الواجهة أحوال الناس “أئمة التيكتوك” يسيئون للمرأة ويكفّرون الرؤساء!
أحوال الناس - الأولى - مقالات - 12 أغسطس، 2025

“أئمة التيكتوك” يسيئون للمرأة ويكفّرون الرؤساء!

"أئمة التيكتوك" يسيئون للمرأة ويكفّرون الرؤساء
تعيش الجزائر هذه الأيام على وقع جدل واسع أثارته خطب بعض الأئمة، الذين تحوّلوا إلى ما يشبه “نجوم التيكتوك”، يستغلون المنابر والمساجد لبث خطاب بعيد عن جوهر الدين الإسلامي الوسطي المعتدل، ومناقض تماماً لمرجعيتها المالكية التي تقوم على التسامح والاعتدال. هذا الخطاب، الذي يجد طريقه سريعاً إلى وسائل التواصل الاجتماعي، يتسم بحدة في مهاجمة المرأة الجزائرية وتشويه صورتها، وصولاً إلى الخوض في قضايا سياسية دولية، بل وتكفير رؤساء دول، في انحراف خطير عن رسالة الإمام ومسؤوليته في خدمة المجتمع ونشر الوعي الديني الرشيد.

يبدو أن بعض هؤلاء الأئمة جعلوا من المرأة محوراً دائماً لخطبهم، مستحضرين خطاباً تقليدياً قديماً يراها بمنظار “الجارية” التي لا مكان لها خارج أسوار البيت، متجاهلين مكانتها الحقيقية في المجتمع الجزائري، ودورها التاريخي في النضال والتحرير والبناء. هذه الخطب لا تمت لروح الإسلام بصلة، وإنما تعكس رؤية وهابية متشددة دخيلة على الثقافة الجزائرية، رؤية سبق أن جُربت قبل ثلاثة عقود وخلفت مآسي بشرية ومادية هائلة، قتل ودمار وتفكيك للعائلات، وتحريض الأبناء على آبائهم وأمهاتهم إذا كانوا يعملون في مؤسسات الدولة أو لا يلتزمون بأنماط مظهرية معينة.

الأدهى أن بعض هذه الخطب تنحدر إلى مستوى الإساءة الفجة، إذ وصف أحد الأئمة المرأة العاملة التي تضع أبناءها في الحضانة بأنها سبب في صناعة “السراق”، معتبراً أن أبناء الحضانة مهيئون للجريمة، وهي تهمة جارحة للمرأة الجزائرية التي تمارس حقها في العمل والمساهمة في الاقتصاد. في مجتمع يحترم نفسه، مثل هذا الخطاب كفيل بإبعاد الإمام عن المنبر ومساءلته قانونياً، لكن في ظل هشاشة الرقابة على الخطاب الديني، تمر مثل هذه التصريحات بلا محاسبة.

الخطورة تتضاعف حين يمتد خطاب هؤلاء الأئمة إلى السياسة الدولية، كما فعل أحدهم عندما وصف الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بالكافر، متوعداً الولايات المتحدة بالتحول إلى “دولة إسلامية”. مثل هذا القول يعكس جهلاً بمفهوم “أهل الكتاب” في الإسلام، ويتناقض مع مبادئ الدبلوماسية الجزائرية القائمة على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. والأخطر أن إطلاق هذه التصريحات من منابر رسمية قد يعطي انطباعاً مضللاً بأنها تمثل توجه الدولة، ما قد ينعكس سلباً على صورة الجزائر في الخارج.

هذا التيار الظلامي، الذي يجد في بعض المساجد أرضية خصبة، يستغل حالة الضعف التي تعيشها الحياة السياسية والمدنية في الجزائر، وغياب المواجهة الفكرية الحقيقية من قبل النخب والسلطات، في ظل اعتماد شبه كامل على المؤسسة العسكرية لضمان الأمن والاستقرار. التاريخ القريب يثبت أن ترك هذه الظواهر تتفاقم قد يدفع البلاد مجدداً نحو نفق العنف والإرهاب، خاصة في ظل ظروف اجتماعية واقتصادية وإقليمية أكثر تعقيداً من تلك التي عرفتها البلاد في تسعينيات القرن الماضي.

كما أن لهذه الظاهرة بعداً جغرافياً وثقافياً مقلقاً، حيث يتبنى بعض الأئمة في الجنوب الجزائري خطابات متطرفة، تصل إلى تكفير المجتمعات المحلية ذات الطابع الأمومي أو القبلي، وهو ما يهدد السلم الاجتماعي ويخلق قطيعة بين المكونات الوطنية. والأمثلة على ذلك عديدة، من التحريض على تدمير تمثال عين الفوارة، إلى ممارسات لفظية وجسدية ضد النساء في الشوارع، بفعل تأثير مباشر من هذه الخطب التحريضية.

تجارب دول أخرى، مثل السعودية، أظهرت أن التيارات المتشددة يمكن إخضاعها إذا توفرت الإرادة السياسية والأدوات القانونية الصارمة، حيث انتقلت من التشدد المفرط إلى الانفتاح على مجالات كانت محرمة سابقاً. لكن في الجزائر، ورغم أن المذهب الوهابي دخيل على الثقافة المحلية، لا تزال بعض الأصوات تكرر خطابه من فوق منابر رسمية، في ظل تقاعس واضح عن تطبيق القوانين التي تجرّم خطاب الكراهية والتحريض.

المطلوب اليوم ليس التضييق على حرية التعبير الديني، وإنما وضع ضوابط صارمة تضمن أن تبقى المنابر فضاءات لتعزيز الوحدة الوطنية واحترام المرأة، وحماية النسيج الاجتماعي من الانقسام. ويتعين على السلطات أن تحاسب كل من يسيء للمرأة أو يحرض ضدها، وأن تمنع استغلال الدين لأغراض سياسية أو شخصية، خصوصاً حين يتعلق الأمر بملفات شديدة الحساسية تمس الأمن الفكري للجزائر ومستقبلها.

المرأة الجزائرية، التي كانت في قلب معارك التحرير والتنمية، تستحق خطاباً يكرم دورها ويحترم مساهماتها، لا خطاباً يُعيد إنتاج صور نمطية تسيء إليها وتختزلها في أدوار ثانوية. والتاريخ أثبت أن المجتمعات التي تحترم المرأة وتمنحها مكانتها الكاملة، هي المجتمعات الأكثر قدرة على التطور والاستقرار.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

“كان 2025”.. فضيحة دولية مكتملة الأركان

ما حدث في المواجهة التي جمعت السنغال بالمنتخب المستضيف في كأس إفريقيا لم يكن مجرد جدل تحكي…