اعتبر الجزائر شريك استراتيجي في شمال افريقيا: جون بولتون يدعو واشنطن لإعادة دعم استفتاء الصحراء الغربية
نشر السفير الأمريكي السابق لدى الأمم المتحدة، ومستشار الأمن القومي الأسبق للرئيس دونالد ترامب، جون بولتون، يوم الأربعاء 28 ماي 2025، مقالًا مطولًا في صحيفة “واشنطن تايمز”، وجّه فيه انتقادًا لاذعًا للسياسة الأمريكية تجاه ملف الصحراء الغربية، معتبرًا أن تجاهل واشنطن لهذا النزاع المستمر منذ أكثر من أربعة عقود يُعد خطأ استراتيجيًا يمنح الصين وروسيا فرصًا ثمينة لتعزيز نفوذهما في القارة الإفريقية.
واستعرض بولتون في مقاله الجذور التاريخية للقضية، مشيرًا إلى أن إسبانيا، القوة الاستعمارية السابقة، لم تنخرط في موجة تصفية الاستعمار التي شهدتها إفريقيا خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، بل سعت للحفاظ على مستعمراتها، إلى أن أدى موت الجنرال فرانكو في نوفمبر 1975 إلى انهيار النظام الإسباني، وترك الصحراء الغربية دون حماية. هذا الفراغ استغلته كل من المغرب وموريتانيا لغزو الإقليم، لكن المقاومة الصحراوية نظّمت نفسها بسرعة فيما أصبح يُعرف بجبهة البوليساريو. لاحقًا، اجبرت موريتانيا عن التخلي عن طموحاتها الإقليمية، بينما واصل المغرب سيطرته العسكرية على نحو 80% من الإقليم، في حين حافظت البوليساريو على ما تبقى من الأراضي انطلاقًا من تندوف جنوب غرب الجزائر، حيث تدير مخيمات تضم مئات آلاف اللاجئين الصحراويين تحت إشراف الأمم المتحدة.
أكد بولتون أن الحل المنطقي لتسوية النزاع يتمثل في العودة إلى أصل المشكلة، أي سؤال بسيط: ماذا يريد شعب الصحراء الغربية؟ هل يختار الاستقلال الكامل أم الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية؟ وأشار إلى أن هذا التوجه كان محل اتفاق دولي، حيث دفعت الولايات المتحدة عقب تحرير الكويت سنة 1991 نحو اعتماد قرار مجلس الأمن رقم 690، الذي أنشأ بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (مينورسو)، بهدف الإشراف على تنظيم استفتاء تقرير المصير، بناءً على اتفاق وقع بين المغرب وجبهة البوليساريو سنة 1988، وتم تأكيده لاحقًا في اتفاقيات هيوستن عام 1997 برعاية وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جيمس بيكر. لكن، ومنذ اللحظة الأولى، بدأ المغرب في عرقلة تنفيذ الاستفتاء خشية أن يصوّت الصحراويون لصالح الاستقلال، ومع مرور السنوات، تم التراجع نهائيًا عن هذا المسار، فيما لا يزال عشرات الآلاف من اللاجئين يعيشون داخل مخيمات تندوف، بانتظار حقهم المشروع في تقرير المصير.
وفي سياق متصل، حذر بولتون من محاولات متزايدة لإضعاف جبهة البوليساريو من خلال حملات دعائية لا تستند إلى أي أدلة، تتهمها بالتبعية لإيران أو تلقي تدريبات من الحرس الثوري أو الميليشيات الشيعية في سوريا. واعتبر هذه الادعاءات تشويشًا متعمدًا يهدف إلى صرف انتباه الإدارة الأمريكية عن السبب الحقيقي لاستمرار النزاع، ألا وهو رفض المغرب احترام التزاماته بتنظيم الاستفتاء. وأضاف أن هذه الادعاءات نفاها رسميًا كل من النظام السوري وجبهة البوليساريو، ورغم ذلك لا تزال دوائر مغربية وغربية تروّج لها بهدف تقويض الدعم الدولي لحق الشعب الصحراوي.
كما حذّر من أن بعض الجهات في الكونغرس الأمريكي تحاول تصنيف البوليساريو كمنظمة إرهابية، رغم أن الصحراويين يُعدّون من أكثر شعوب المنطقة انفتاحًا واعتدالًا من الناحية الدينية، ولم يسبق أن انجرفوا نحو التطرف، بل إن مخيماتهم تستقبل منذ سنوات طويلة منظمات أمريكية غير حكومية تقدم خدمات طبية وتعليمية، وهو ما كان أحد أسباب دعم السيناتور الراحل جيمس إنهوف لهم طيلة حياته، لقناعته بطبيعتهم السلمية وتنوعهم الثقافي والديني. وأشار بولتون إلى أن تقارير الخارجية الأمريكية لم تُسجل في أي وقت وجود تطرف ديني في صفوف الصحراويين، بل إن المملكة المتحدة رفضت رسميًا، مؤخرًا، هذه المزاعم التي تربط البوليساريو بإيران.
وتطرّق بولتون إلى التعقيد الجيوسياسي للنزاع، حيث لا تقتصر الأطماع المغربية على الصحراء الغربية فحسب، بل تمتد وفق الوثائق التاريخية إلى مناطق من شمال موريتانيا وغرب الجزائر، ما يُغذي التوترات بين الرباط والجزائر منذ عقود. غير أن السياق الدولي اليوم بدأ يتغير، بحسب الكاتب، فقد بدأت الجزائر تعيد رسم خارطة تحالفاتها، في ظل تزايد اهتمامها بالشراكات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، كما تم توقيع أول اتفاقية تعاون عسكري بين واشنطن والجزائر في بداية الولاية الثانية للرئيس ترامب، وهو ما اعتبره بولتون فرصة يجب أن تُستثمر لتعزيز النفوذ الأمريكي بدل فسحه أمام الصين وروسيا. وختم مقاله بتوجيه دعوة مباشرة إلى صانعي القرار في واشنطن من أجل العودة إلى الموقف الأصلي لأمريكا، والمتمثل في دعم استفتاء أممي نزيه لتقرير مصير الشعب الصحراوي، مطالبًا أعضاء الكونغرس بزيارة مخيمات اللاجئين في تندوف، والالتقاء بقيادة البوليساريو، وبالمنظمات الأمريكية العاملة هناك، من أجل الاطلاع مباشرة على الواقع، بعيدًا عن الدعاية المغرضة. واعتبر أن إعادة التزام أمريكا بهذا المسار، ستحقق العدالة لشعب مُهمّش منذ عقود، وستُعزز في الوقت ذاته المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة في إفريقيا.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
رئيس الجمهورية يطلق إصلاحات هيكلية في المكننة الفلاحية
ترأس اليوم رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، اجتماع عمل خُصّص لملف المكننة الفلاحية، …







