‫الرئيسية‬ الأولى الاستقلال ليس ذكرى.. بل ممارسة
الأولى - الافتتاحية - الوطني - 8 أغسطس، 2025

الاستقلال ليس ذكرى.. بل ممارسة

الاستقلال ليس ذكرى.. بل ممارسة
أخرجت الجزائر من أدراج الصمت ملفًا ظل مطويًا لأكثر من ستة عقود، وأعلنت أخيرًا أن الأرض التي رويت بالدماء لا يمكن أن تبقى موضوع تنازل أو امتياز مجاني. استدعاء القائم بأعمال سفارة فرنسا بالجزائر لم يكن إجراءً روتينيًا في العُرف الدبلوماسي، بل رسالة سياسية واضحة، الجزائر، التي استقلت رسميًا في 1962، قررت أن تستكمل استقلالها فعليًا في 2025. ومن بين رموز هذا الاستقلال المؤجل، عقارات الدولة الجزائرية التي ظلت موضوعة تحت تصرف السفارة الفرنسية ومؤسساتها، مجانًا أو بمقابل رمزي يصل أحيانًا إلى فرنك واحد فقط، في ما يشبه هزلًا سياسيًا استمر لعقود دون مساءلة.

المعلومة التي صُدمت بها شرائح واسعة من الرأي العام الجزائري أن فرنسا تستغل ما لا يقل عن 61 عقارًا على التراب الوطني، بما فيها 18 هكتارًا لمقر سفارتها في العاصمة و4 هكتارات لإقامة السفير الفرنسي، كلها تقريبًا دون مقابل حقيقي. هذا ليس تفصيلًا في دفتر العلاقات الجزائرية الفرنسية، بل خللٌ بنيوي في مفاهيم السيادة. فأن تحتفظ فرنسا، بعد أكثر من نصف قرن على خروجها الرسمي، بأرض جزائرية بهذه المساحة والحساسية، وبشروط مجانية أو تفضيلية، فهذا لا يمكن تفسيره إلا على أنه استمرار لنفوذ استعماري تم تدويله عبر مظلة دبلوماسية.

المثير أن هذه الامتيازات العقارية لم تُمنح مؤخرًا في إطار تفاوض شفاف بين دولتين متكافئتين، بل هي بقايا تسويات غير متكافئة، جرى تمريرها في مراحل مختلفة من التاريخ، إمّا تحت ضغط الظرف، أو باسم “الخصوصية”، أو بدعوى الحفاظ على التوازن في العلاقات مع باريس. غير أن ما لم يُقَل هو أن الطرف الجزائري ظل هو الطرف المانح دائمًا، بينما الطرف الفرنسي ظل هو المستفيد الوحيد. ليس فقط من العقارات، بل من عقود التسيير والإيجار، من الإعفاءات، من الامتيازات التي لا تجد لها مثيلًا في دولة أخرى.

وحين أعلنت الجزائر، رسميًا، إنهاء هذه المجانية وإعادة النظر في عقود الإيجار المرتبطة بهذه الأملاك، فإنها لم تكن تمارس رد فعل ظرفي، بل كانت تتخذ قرارًا سياديًا مؤجلًا، طالما خشيه البعض، أو أخّره البعض، أو تجاهله البعض، بحجة عدم إزعاج فرنسا. لكن الدولة التي تخشى إزعاج شريكها ليست دولة مستقلة. والدولة التي تسكت عن أراضٍ تُستغل بالمجان، هي دولة تتخلى عن جزء من كرامتها، مهما رفعت شعارات السيادة في العلن.

ويبقى السؤال الثقيل معلقًا، كيف استمر هذا الوضع طيلة هذه السنوات؟ من أعطى الضوء الأخضر؟ من مرّر هذه العقود؟ من قرر الصمت؟ ومن استساغ أن تقيم سفارة فرنسا على أرضنا مجانًا بينما لا نملك في باريس حتى الحق في التمثيل بنفس الشروط؟ الصمت هنا ليس غفلة فقط، بل تواطؤ سياسي وإداري لم يُحاسَب بعد، وقد آن أوان كشفه وإعادة كتابة الصفحة التي تم تجاوزها عمدًا.

الاستقلال الحقيقي لا يبدأ فقط بخروج المحتل، بل بانتهاء كل امتيازٍ باقٍ له بعد خروجه. والكرامة الوطنية لا تكون في الشعارات، بل في الوثائق، في العقود، في العقارات، في التفاصيل الصغيرة التي ظلّت تُمنح لمن لا يستحق، دون أن يسأل أحد: لماذا؟

اليوم فقط، بدأت الجزائر تقول “لا”. لا لفرنسا التي ما زالت تطالب بالمزيد دون مقابل. لا للامتيازات باسم “التاريخ المشترك” الذي لم يكن يومًا مشتركًا في المعاناة والمكاسب. لا للتنازلات التي لم تَعُد تُفهَم إلا كإشارة ضعف. وإذا كان ثمن ذلك هو إغضاب باريس، فليكن. لأن الجزائر الجديدة لا تُبنى برضا الآخرين، بل بإرادة أبنائها، وبقدرتها على تصفية ما تبقى من تركة استعمارية مدفونة في بنود “ودية”، هي في حقيقتها مجرّد قيد ناعم.

وهكذا، يمكن أن نقرأ قرار الدولة ليس كحدث إداري عابر، بل كخطوة أولى لتحرير ما تبقى من الأرض والسيادة، خطوة تقول بكل وضوح، الاستقلال ليس ذكرى، بل ممارسة.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

فيديو مغربي يُستعمل لتشويه صورة الجزائريين!

انتشر خلال الساعات الأخيرة على نطاق واسع مقطع فيديو يُظهر مشاهد أبواق سيارات وألعابًا ناري…