التقارب الجزائري–الألماني يُخرج ماكرون من جحره
كلما اشتدّ الوضع الاقتصادي على فرنسا، تذكّرت الجزائر، وكانت تدرّ عليها المليارات من دون مقابل. وأي متابع للعلاقات الثنائية بين الجزائر وفرنسا منذ سنة 1962 لا يجد أثرًا لمشاريع مهمة أنجزتها فرنسا في الجزائر، مقارنة بألمانيا مثلًا، أو بالصين حاليًا وروسيا. وحتى الصناعات التي نشرتها فرنسا في شمال المغرب أصبحت اليوم تعاني بعد انتهاء اتفاقية أنبوب الغاز العابر لإسبانيا عبر المغرب، والذي أغلقته الجزائر بعد انتهاء الاتفاقية التي كانت تضمن استمراره. شركة رونو الموجودة في المغرب أعلنت خسارة تقدّر بـ11 مليار يورو، وشركات أخرى قد تتبعها لاحقًا.
قرار ماكرون بفرض الفيزا على حاملي جوازات السفر الدبلوماسية أو الخاصة لا معنى له، لأن الجزائر كانت قد نصحت سابقًا حاملي تلك الجوازات بتفادي السفر إلى أو عبر فرنسا. لكن التهديد الجديد للرئيس الفرنسي جاء بعد الإعلان عن المكالمة بين الرئيس تبون والرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير، وقبول الرئيس الجزائري الدعوة لزيارة برلين قريبًا في إطار تبادل الزيارات.
حساسية فرنسا تجاه العلاقات الجزائرية–الألمانية لا مثيل لها في التاريخ. فاللوبي الموالي لفرنسا في الجزائر حطّم، طيلة 63 سنة، كل تقارب بين ألمانيا والجزائر، وحتى مشاريع الطاقة تعرّضت للتخريب. خوف فرنسا من شراكة مع العملاق الاقتصادي الأوروبي هو ما حرّك الرئيس ماكرون ودفعه إلى التهديد، لأن شراكة من هذا النوع ستمنح الجزائر سندًا قويًا جدًا داخل الاتحاد الأوروبي، وتؤدي إلى تهميش فرنسا بالكامل، نظرًا لقوة الصناعة الألمانية وصلابتها وتنافُسيتها العالمية.
تحرّك فرنسا للضغط على الجزائر لن يفيدها في شيء. ويمكن للجزائر أن تتجاوز كل تأثيرات هذا الضغط، حتى في ملف الهجرة، لأن ألمانيا بحاجة إلى قرابة مليون مهاجر سنويًا، والإطارات الجزائرية مشهود لها بالكفاءة. أطباء الجزائر في فرنسا يستطيعون، بمجهود بسيط جدًا يتمثل في تعلم اللغة، الانتقال للعمل في ألمانيا. وأتذكر الصراع الذي دار بين الدول الأوروبية عندما طُرحت قضية جذب المهاجرين، خاصة الإطارات منهم، وكيف طُرحت مسألة بقاء المهاجر في البلد الذي جاء للدراسة فيه، أو انتقاله إلى بلد آخر. آنذاك، اقترح نيكولا ساركوزي، وكان وزيرًا للداخلية، أن يتم توحيد ألوان بطاقات الإقامة لتسهيل الاحتفاظ بالمهاجرين داخل الدولة التي تستقبلهم أولًا.
حساسية فرنسا من أي علاقات شراكة صلبة بين الجزائر وألمانيا هي المحرك الأساسي الذي أخرج ماكرون من جحره. ومؤكد أنه سيربط ذلك أيضًا بالعلاقات الجزائرية–الإيطالية، حيث تهيمن فرنسا على حساب محور الجزائر–روما–برلين، الذي سيتحصل دون شك على الغاز الجزائري، الذي يُعتبر الأجود والأرخص مقارنة بالغاز الصخري الأمريكي. هذا الغاز سيمنح ألمانيا دفعة قوية لإعادة تنشيط صناعتها، بل وحتى لفتح إمكانية توطين بعض الصناعات الألمانية في الجزائر، ثم تصدير منتجاتها إلى ألمانيا والعالم. وهذا ما تخشاه فرنسا، لأنها جربته مع المغرب، حين استغلت الغاز الجزائري ونجحت لفترة، لكنها فشلت بعد غلق الأنبوب العابر للمغرب نحو إسبانيا.
كسب علاقات قوية مع ألمانيا، اللاعب الأساسي في الاتحاد الأوروبي وأكثر دوله نفوذًا، يزعج ماكرون ويغلق في وجهه كل أبواب المناورة باستعمال كتلة الاتحاد الأوروبي ضد الجزائر. تجربة الصناعة الألمانية في الجزائر هي الأنجح على الإطلاق، وتقويتها ستزيد من صداع فرنسا المتزايد، هذه الأخيرة التي تأخذ من الجزائر الكثير، ولا تقدم في المقابل شيئًا للاقتصاد الجزائري.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
أنبوب الغاز المغاربي.. خطاب الضحية يعود من الرباط
صرحت وزيرة الاقتصاد والمالية المروكية نادية فتاح، خلال مقابلة مع قناة فرنسية متخصصة في الا…










