‫الرئيسية‬ الأولى القدر بريء منكم.. من يقتل شباب الجزائر ويحتمي بالدين؟
الأولى - رياضة - مقالات - 26 يونيو، 2025

القدر بريء منكم.. من يقتل شباب الجزائر ويحتمي بالدين؟

القدر بريء منكم.. من يقتل شباب الجزائر ويحتمي بالدين؟
شهدت الجزائر مؤخرًا حادثة أليمة في ملعب 5 جويلية، راح ضحيتها عدد من مناصري نادي مولودية الجزائر، في مشهد حرك مشاعر الجزائريين، وطرح تساؤلات كثيرة حول ظروف التنظيم، وسلامة المنشآت، والمسؤوليات الواقعة على عاتق الجهات المعنية.

وفي الوقت الذي سارعت فيه السلطات العليا في البلاد، وعلى رأسها رئيس الجمهورية، إلى اتخاذ قرار حكيم بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق؛ خرجت بعض الأصوات التي حاولت اختزال ما وقع في إطار “القضاء والقدر”، معتبرة أن الحادثة قَدَرٌ مكتوب لا مفر منه، دون الحاجة إلى فتح أي تحقيق أو تحميل أي طرف مسؤولية ما جرى.

لكن هذه المقاربة، وإن بدت دينية في ظاهرها، تفتقر إلى التوازن في مضمونها؛ إذ إن الإيمان بالقضاء والقدر في العقيدة الإسلامية لا يُلغي المسؤولية، ولا يُبرّر التغاضي عن التقصير أو الفشل في أداء الواجب. فالدين لا يعارض التحقيق ولا يمنع المحاسبة؛ بل يُعلي من شأن العدالة ويحثّ على كشف الحقيقة ورد الحقوق لأصحابها.

ما يُثير القلق أكثر، أن مثل هذه الخطابات تُستَعمل – أحيانًا – كغطاء لتفادي فتح الملفات، أو لحماية مجموعات نفوذ تدور في فلك ما يُعرف بـ”الشللية”؛ وهي شبكات غير رسمية تسيطر على قطاعات معينة، وتعمل خارج قواعد الشفافية والمحاسبة، معتمدة على منطق الولاءات الشخصية بدل الكفاءة والقانون.

ولا يخفى على أحد أن قطاع الرياضة في الجزائر، بما يحمله من رمزية جماهيرية وامتداد مالي وتنظيمي واسع، بات يشهد اختراقًا واضحًا من قبل هذه الشبكات، التي تستفيد من الامتيازات وتُعطل آليات الرقابة، وتتحرك في مساحة غامضة لا تخضع للمساءلة الكاملة.

هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى التذكير بأن محاربة الشللية ليست خيارًا سياسيًا ظرفيًا، بل واجب وطني دائم لحماية مؤسسات الدولة، وضمان شفافية تسيير الشأن العام. فالدولة، من حيث جوهرها، تقوم على القانون، بينما تقوم الشبكات على الولاء والعلاقات الخاصة؛ والدولة تخدم الجميع، بينما تخدم الشبكات نفسها ومن يدور في فلكها.

لقد أثبتت تجارب العديد من الدول أن ترك الشبكات تتغلغل في مؤسسات الدولة يقود تدريجيًا إلى منطق “اللا دولة”؛ حيث تختفي المسؤولية، ويُصبح القرار العام خاضعًا لحسابات ضيقة. بل إن دولًا متقدمة، مثل بلجيكا، ذهبت إلى إنشاء هيئات مستقلة لمراقبة الشرطة والأجهزة الأمنية، منعًا لتكوّن أي شبكات نفوذ خارجة عن المساءلة، كما فُرض على بعض الحركات المغلقة، مثل الماسونية، الإعلان عن أعضائها داخل الحكومة ضمانًا للشفافية.

في السياق الجزائري، فإن الإصرار على التحقيق في حادثة ملعب 5 جويلية لا يُفترض أن يُقابل بالتشكيك أو التبرير، بل بالدعم والوعي الجماعي. فكل روح تُزهق بسبب خلل في التنظيم، أو بسبب غياب المتابعة، لا يمكن اختزالها في عبارة “قضاء وقدر” فقط. إن التمسك بهذا المنطق في كل مأساة، سيؤدي بنا إلى تبرير كل الأخطاء، وطمس كل الحقائق، والتنازل عن مبدأ المحاسبة، وهو أمر يتعارض مع بناء دولة القانون والمؤسسات.

من هنا، فإن فتح الملفات، وكشف الثغرات، ومعاقبة المقصرين، هو الطريق الوحيد نحو حماية الأرواح والممتلكات، واستعادة ثقة المواطن. ومن الخطأ تحويل المفاهيم الدينية إلى مظلّة تُبرّر بها التجاوزات، وتُغلق بها الملفات قبل أن تُفتح.

إن الجزائر الجديدة التي يتطلع إليها شعبها، تقوم على قيم العدالة والشفافية والنزاهة، ولا يمكن أن تتعايش مع منطق الشللية، أو أن تُساير شبكات مصالح تشتغل خارج مؤسسات الدولة. فهذه الشبكات، مهما كانت خلفياتها أو ذرائعها، تشكل تهديدًا حقيقيًا لمشروع الدولة الوطنية الحديثة، وللسير الحسن للمؤسسات.

ولذلك، فإن كل قطاع تظهر فيه مؤشرات تكوّن شبكات مصلحية، يجب أن يخضع للمراقبة والمراجعة الصارمة، دون مجاملة أو تردد. فمحاربة هذه الظواهر لا تعني استهداف أفراد، بل تعني تصحيح المسار وضمان التوازن بين المسؤولية والمحاسبة.

ختامًا، لا يمكن أن نُكرّس ثقافة المساءلة إذا كنا نُسارع في كل مرة إلى إغلاق النقاش باسم القضاء والقدر. فبين الإيمان الديني والمواطنة الواعية مساحة رحبة، تتسع لفتح الملفات، وكشف الحقيقة، ومحاسبة كل من يثبت تقصيره. وهو ما يُعد الضامن الأساسي لبناء جزائر قوية، شفافة، عادلة، وعصرية.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

“كان 2025”.. فضيحة دولية مكتملة الأركان

ما حدث في المواجهة التي جمعت السنغال بالمنتخب المستضيف في كأس إفريقيا لم يكن مجرد جدل تحكي…