‫الرئيسية‬ الأولى “المؤشر” تصدر بعدد أبيض بالكامل… رسالة احتجاجية صريحة

“المؤشر” تصدر بعدد أبيض بالكامل… رسالة احتجاجية صريحة

المؤشر تصدر بعدد أبيض بالكامل… رسالة احتجاجية صريحة ضد خرق الدستور وتجاهل التوجيهات الرئاسية
أقدمت جريدة “المؤشر” في عددها 83 الصادر بتاريخ 12 أوت 2025 على خطوة احتجاجية غير مسبوقة في تاريخ الصحافة الوطنية، إذ صدرت جميع صفحاتها بيضاء، بلا أي مقال أو مادة إعلامية، باستثناء صفحة وحيدة تضمنت رسالة مفتوحة موجهة مباشرة إلى رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون. وجاء هذا الموقف الصارم بعد مرور ما يقارب العام الكامل على إيداع ملف الجريدة لدى الوكالة الوطنية للنشر والإشهار في نهاية أوت 2024، وهو ملف تثبت الوثائق الرسمية أن مصالح الوكالة تسلمته، إلا أن الجريدة لم تتلق أي رد إلى غاية اليوم، لا بالقبول ولا بالرفض، في مخالفة صريحة للنصوص القانونية ولأبسط قواعد التعامل الإداري.

هذا الصمت الإداري ليس مجرد تقصير روتيني أو إهمال إداري، بل هو ـ كما تصفه “المؤشر” ـ تعدٍ مباشر على مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص الذي نص عليه الدستور الجزائري في المادة 54 بوضوح تام: “حرية الصحافة المكتوبة والسمعية البصرية وعلى الشبكة الإلكترونية مضمونة، ولا يمكن تقييدها بأي شكل من أشكال الرقابة المسبقة. تضمن الدولة الحق في الوصول إلى المعلومة، وتكافؤ الفرص في الاستفادة من وسائل الإعلام العمومية…”. هذه المادة ليست نصاً للزينة، بل التزام دستوري مُلزم لكل سلطة وهيئة ومؤسسة في الدولة، وعلى رأسها الهيئات التي تتحكم في توزيع الإشهار العمومي.

القانون العضوي للإعلام رقم 23-14 المؤرخ في أوت 2023 جاء ليحوّل هذه المبادئ الدستورية إلى التزامات عملية واضحة. فقد نصت المادة 11 منه على أن “يوزع الإشهار العمومي وفق معايير شفافة وموضوعية وغير تمييزية، وتلتزم الهيئات المكلفة بالإشهار بالرد على الطلبات المودعة لديها في آجال معقولة، مع تعليل قرارات الرفض.” إن إبقاء ملف “المؤشر” حبيس الأدراج لمدة سنة كاملة دون رد هو مخالفة صريحة لهذا النص القانوني، وتجاوز لروح القانون وروح الدستور معاً.

رسالة “المؤشر” الموجهة لرئيس الجمهورية لم تكتف بسرد الوقائع، بل وضعت إصبعها على جوهر الإشكال، إن هذا السلوك الإداري يتناقض مع التوجيهات الرئاسية التي كررها عبد المجيد تبون في أكثر من مناسبة، حين شدد على أن الإعلام في الجزائر الجديدة يجب أن يكون حراً، مهنياً، ومسنوداً بكل الوسائل التي تضمن له أداء دوره كاملاً في الرقابة والتنوير والمرافقة النقدية لمسار التنمية الوطنية. وعندما يعلن الرئيس أن الإشهار العمومي حق لكل مؤسسة إعلامية تستوفي الشروط القانونية، فإن أي عرقلة متعمدة لهذا الحق تمثل تحدياً مباشراً لسياسة الدولة العليا.

صدور العدد 83 بصفحات بيضاء هو أكثر من مجرد احتجاج؛ إنه صرخة في وجه البيروقراطية التي تُفرغ النصوص الدستورية والقوانين العضوية من محتواها. وهو إدانة واضحة لممارسات تعيدنا إلى منطق “الانتقائية” و”التمييز” في التعامل مع وسائل الإعلام، وهي ممارسات تُناقض تماماً سياسة الانفتاح والمساواة التي يرفعها رأس الدولة شعاراً ويلتزم بها في خطابه السياسي.

إن استمرار هذا الوضع يطرح سؤالاً جوهرياً، كيف يمكن الحديث عن إعلام حر ومؤسساتي في ظل هيئات تتجاهل نصوص الدستور والقانون، وتتصرف وكأنها فوق التوجيهات الرئاسية؟ وكيف يمكن إقناع الرأي العام بأن الجزائر الجديدة تسير نحو، إصلاح عميق للإعلام، إذا كانت مؤسسة إعلامية مضطرة لأن تصدر عدداً أبيض كي يسمع صوتها؟

لقد وضع هذا العدد الأبيض الجميع أمام مسؤولياتهم، إما احترام القانون وتطبيق الدستور، أو الإقرار بأن هناك من يعرقل عمداً توجهات رئيس الجمهورية، ويقوض الثقة بين مؤسسات الدولة ووسائل الإعلام. وفي هذه الحالة، الصمت لم يعد خياراً، بل مشاركة في الجريمة القانونية والأخلاقية ضد حرية الصحافة وتكافؤ الفرص.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

المنتخب الجزائري بين إعادة البناء والتحضير للمونديال… برنامج ودي قوي واختبارات حاسمة قبل 2026

يواصل المنتخب الوطني الجزائري لكرة القدم مرحلة تحضيراته المكثفة استعدادًا للاستحقاقات الدو…