المخزن يواصل حرب الأكاذيب ضد الجزائر
يبدو لكل متابع لما يصدر عن إعلام المخزن أن ما يشغل دوائره اليوم ليس التطورات الخطيرة التي يشهدها العالم، ولا التوترات المتصاعدة في منطقة الخليج التي طالت تداعياتها عدداً كبيراً من الدول وتهدد بتوسّع رقعة الصراع، بل شيء آخر تماماً، إنتاج روايات يومية موجهة ضد الجزائر. فبدلاً من الانشغال بالتحولات الإقليمية الكبرى وما تحمله من مخاطر على الأمن والاستقرار الدوليين، يواصل إعلام المخزن الانخراط في حملة دعائية تكاد تتحول إلى نشاط يومي ثابت قوامه اختلاق قصص جديدة حول الجزائر.
آخر هذه الروايات التي جرى تداولها، تمثلت في الحديث عن اتفاق مزعوم بين الجزائر وإسبانيا لبناء قاعدة عسكرية في مدينة سبتة الإسبانية. وهي رواية تبدو من فرط غرابتها أقرب إلى الخيال منها إلى أي تحليل سياسي أو عسكري قابل للتصديق، إذ يصعب على أي متابع للشؤون الدولية أن يجد لها أساساً منطقياً أو سياسياً.
ومع ذلك، فقد جرى الترويج لهذه المزاعم عبر بعض المنابر القريبة من المخزن، في استمرار لأسلوب دعائي قديم يقوم على تكرار الادعاءات أملاً في تحويلها إلى “حقائق إعلامية”. وهو أسلوب يعيد إلى الأذهان تقنيات البروباغندا الكلاسيكية التي عرفها العالم في القرن الماضي، والتي تقوم على صناعة الرواية قبل البحث عن الدليل.
ولم تقف هذه الحملة عند هذا الحد، بل ظهرت مزاعم أخرى تتهم الجزائر بالدخول في “مؤامرة” مع “إسرائيل” ضد دول الخليج. وهي رواية أخرى تثير الاستغراب بالنظر إلى طبيعة المواقف السياسية المعروفة للجزائر، سواء في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية أو بعلاقاتها الدولية.
فالجزائر، كما هو معلوم، لا تربطها أي علاقات دبلوماسية مع “إسرائيل”، كما أنها ظلت على مدى عقود من أبرز الدول الداعمة للقضية الفلسطينية في المحافل الدولية. كما أن مواقفها المعلنة تجاه الأزمات الإقليمية تقوم على احترام سيادة الدول ورفض التدخل في شؤونها الداخلية.
ومن هنا تبدو هذه المزاعم أقرب إلى محاولة إعلامية لصناعة سردية سياسية تخدم أجندة داخلية، أكثر منها تحليلاً يستند إلى وقائع ملموسة. فالاتهام بالتآمر مع أطراف متناقضة في الوقت نفسه لا يستقيم منطقياً، إذ يصعب الجمع بين روايات متعارضة في إطار واحد دون الوقوع في تناقض واضح.
ويلاحظ في هذا السياق أن الخطاب الصادر عن بعض المنابر المرتبطة بالمخزن يتجه في كثير من الأحيان إلى توجيه النقاش نحو الجزائر، في وقت تواجه فيه المنطقة تحديات سياسية واقتصادية وأمنية متعددة. وهو ما يطرح تساؤلات لدى عدد من المتابعين حول أسباب هذا التركيز المستمر على الجزائر في الخطاب الإعلامي المغربي.
كما أن هذا الأسلوب لا يخلو من مخاطر على مستوى المصداقية الإعلامية، إذ إن تكرار الروايات غير المدعومة بالوقائع قد يؤدي في نهاية المطاف إلى فقدان الثقة في الخطاب الإعلامي نفسه، سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي. وفي سياق متصل، برزت أيضاً محاولات سياسية وإعلامية مرتبطة بملف أنبوب الغاز المغاربي-الأوروبي الذي كان يمر عبر الأراضي المغربية قبل أن ينتهي العمل بالاتفاقية التي كانت تنظم تشغيله في أكتوبر 2021 بعد ثلاثين عاماً من سريانها.
وفي هذا الإطار، سعت بعض التصريحات السياسية في الرباط إلى طرح فكرة الضغط الأوروبي على الجزائر لإعادة تشغيل الأنبوب، وهو طرح يتجاهل الطبيعة التعاقدية البحتة لهذا الملف. فالاتفاقية التي كانت تنظم تشغيل الخط انتهت مدتها الزمنية، وأي تشغيل جديد له يتطلب إطاراً تعاقدياً جديداً بين الأطراف المعنية.
كما أن أسواق الطاقة الأوروبية، التي تتعامل وفق قواعد اقتصادية واضحة، تدرك جيداً أن العلاقات الطاقوية تقوم على التعاقدات والأسعار والتوازنات الاقتصادية، وليس على الضغوط السياسية أو الحملات الإعلامية. ومن هذا المنطلق، تبدو بعض الدعوات التي يجري تداولها في هذا السياق أقرب إلى الخطاب السياسي الداخلي منها إلى المقاربات الواقعية لملفات الطاقة المعقدة التي تحكمها حسابات السوق الدولية.
إن العلاقات بين الدول لا تُدار عبر الحملات الإعلامية ولا عبر صناعة الروايات اليومية، بل عبر السياسات الواقعية والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. كما أن الدول التي تسعى إلى الحفاظ على مصداقيتها الدولية تدرك أن الخطاب الإعلامي، مثل الخطاب السياسي، يبقى جزءاً من صورتها أمام العالم.
أما الجزائر، التي تنتهج في سياستها الخارجية مبدأ عدم التدخل في شؤون الدول واحترام سيادتها، فقد أكدت في أكثر من مناسبة أن أولوياتها تبقى مرتبطة بالاستقرار الإقليمي والتعاون الدولي، وهي مواقف معروفة لدى شركائها في المنطقة وفي العالم. وفي ظل التحولات الكبرى التي يشهدها العالم اليوم، يبدو أن التحدي الحقيقي أمام الإعلام في المنطقة لا يكمن في صناعة الروايات، بل في الارتقاء بالمعلومة والتحليل إلى مستوى المسؤولية المهنية التي تفرضها طبيعة المرحلة.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
من غون إلى بلاكنبيرغ.. جولة رمضانية لـ”المؤشر” وسط الجالية الجزائرية ببلجيكا
رافقت جريدة “المؤشر” نائب الجالية في المجلس الشعبي الوطني السيد إبراهيم دخينات…






