‫الرئيسية‬ الأولى اليمين زروال… رجل الدولة الذي انتصر للجزائر
الأولى - الافتتاحية - رأي - ‫‫‫‏‫4 أيام مضت‬

اليمين زروال… رجل الدولة الذي انتصر للجزائر

اليمين زروال… رجل الدولة الذي انتصر للجزائر
لا تُقاس قيمة القادة في تاريخ الدول بطول بقائهم في السلطة، بل بقدرتهم على حماية الدولة في لحظات الانكسار، وعلى إعادة توجيه مسارها حين تختلط الخيارات وتضيق البدائل. وفي هذا الإطار، يبرز اسم اليمين زروال كأحد أبرز النماذج التي جسدت معنى رجل الدولة في الجزائر المعاصرة، من خلال تجربة حكم قصيرة زمنياً، لكنها عميقة الأثر سياسياً ومؤسساتياً.

تولى زروال قيادة البلاد سنة 1994، في سياق وطني بالغ التعقيد، تميز بأزمة أمنية حادة وانسداد سياسي غير مسبوق. وكانت الدولة الجزائرية آنذاك أمام تحدٍ مزدوج، استعادة الأمن من جهة، وإعادة بناء الشرعية السياسية من جهة أخرى. وفي مثل هذه الظروف، تميل الأنظمة عادة إلى ترجيح المقاربة الأمنية على حساب المسار السياسي، غير أن زروال اختار منذ البداية الجمع بين المسارين، واضعاً نصب عينيه هدف إعادة تأسيس الدولة على قاعدة التوازن بين السلطة والمجتمع.

في هذا السياق، جاء تنظيم الانتخابات الرئاسية سنة 1995 كأول اختبار فعلي لهذا التوجه، حيث أعاد الاعتبار للاحتكام إلى صناديق الاقتراع، رغم الظروف الأمنية الصعبة. ولم يكن ذلك قراراً تقنياً بقدر ما كان خياراً سياسياً يعكس قناعة بأن الشرعية الشعبية هي المدخل الأساسي لأي استقرار دائم.

وتعزز هذا المسار بإقرار دستور 1996، الذي أعاد هيكلة مؤسسات الدولة، ورسّخ مبدأ الفصل بين السلطات، وحدد معالم النظام السياسي في مرحلة ما بعد الأزمة. وقد شكّل هذا الدستور نقطة تحول في إعادة بناء الإطار القانوني للدولة، بعد سنوات من الاضطراب.

غير أن خصوصية تجربة اليمين زروال لا تكمن فقط في قراراته خلال الحكم، بل في قراره مغادرة السلطة. ففي سبتمبر 1998، أعلن تنظيم انتخابات رئاسية مسبقة، وقرر عدم الترشح لعهدة جديدة، لتنظم الانتخابات فعلياً في 1999. وكان بإمكانه، من الناحية الدستورية والسياسية، الاستمرار في الحكم، غير أنه اختار خلاف ذلك، في خطوة نادرة في محيط إقليمي اتسم بضعف التداول على السلطة.

هذا القرار لم يكن مجرد إجراء سياسي، بل كان تعبيراً عن تصور واضح لطبيعة الحكم، يقوم على أن الشرعية تُجدّد ولا تُحتكر، وأن استمرارية الدولة لا ترتبط بالأشخاص بل بالمؤسسات. وهنا تحديداً، قدّم زروال نموذجاً عملياً في إدارة السلطة، يقوم على الانسحاب في الوقت المناسب، لا التمسك بالموقع.

كما ارتبطت فترة حكمه بمحاولات لاحتواء الأزمة عبر مقاربات سياسية، مهّدت لاحقاً لمسار السلم المدني، وهو ما يعكس إدراكاً مبكراً بأن المعالجة الأمنية، مهما كانت ضرورية، لا يمكن أن تكون بديلاً دائماً عن الحلول السياسية.

وعلى الصعيد الدولي، تبنى زروال خطاباً متوازناً، ركّز على مبدأ السيادة الوطنية وعدم التدخل، مع الحفاظ على علاقات خارجية قائمة على البراغماتية والاحترام المتبادل، ما ساهم في إعادة تموقع الجزائر تدريجياً على الساحة الدولية.

ورغم هذه الحصيلة، فإن تقييم تجربته لا يكتمل دون الإقرار بصعوبة المرحلة وتعقيداتها، حيث واجهت الدولة تحديات عميقة، ولم تكن كل الخيارات متاحة أو سهلة. غير أن ما يُحسب له هو قدرته على إدارة تلك المرحلة دون الانزلاق نحو حلول أحادية، مع الحفاظ على أفق سياسي مفتوح.

بعد مغادرته الحكم سنة 1999، اختار اليمين زروال الابتعاد الكامل عن الحياة السياسية، رافضاً العودة إلى الواجهة رغم الدعوات المتكررة، وهو ما عزز صورته كرجل دولة تعامل مع السلطة باعتبارها مسؤولية ظرفية لا موقعاً دائماً.

إن استحضار مسار اليمين زروال اليوم، لا يتعلق فقط بسرد تجربة سياسية، بل باستعادة نموذج في الحكم يقوم على التوازن بين الحزم والانفتاح، وبين السلطة والشرعية، وبين القرار والمسؤولية. لقد كان زروال جزءاً من جيل قاد الدولة في مرحلة مفصلية، واختار أن يغادرها وهي أكثر استقراراً مما كانت عليه عند توليه المسؤولية.

بهذا المعنى، لا يُختزل إرث اليمين زروال في المناصب التي تقلدها، بل في الرسالة السياسية التي تركها، أن قوة الدولة في مؤسساتها، وأن شرعيتها في شعبها، وأن أعظم ما يمكن أن يقدمه الحاكم لوطنه هو أن يعرف متى يقود… ومتى ينسحب.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

القضاء الفرنسي يدين طارق رمضان بـ18 سنة سجناً نافذاً في قضية اغتصاب

أدانت محكمة الجنايات في باريس، يوم الأربعاء 25 مارس 2026، المفكر الإسلامي السويسري طارق رم…