‫الرئيسية‬ الأولى بلطجة أمريكية تفتح أبواب الجحيم على العالم وتنهي وهم القانون الدولي
الأولى - الافتتاحية - رأي - ‫‫‫‏‫7 دقائق مضت‬

بلطجة أمريكية تفتح أبواب الجحيم على العالم وتنهي وهم القانون الدولي

بلطجة أمريكية تفتح أبواب الجحيم على العالم وتنهي وهم القانون الدولي
أُسست مبادئ القانون الدولي ومؤسساته عقب الحرب العالمية الثانية على أمل منع تكرار كارثة إنسانية كبرى، وترسيخ قواعد تضبط العلاقات بين الدول وتمنع منطق القوة العارية. غير أن الممارسات التي انتهجتها الولايات المتحدة عبر العقود، من اختطاف رؤساء دول ومحاكمتهم خارج أوطانهم، أعادت هذا البناء الهش إلى نقطة الصفر، ووضعت فكرة القانون الدولي برمتها أمام اختبار وجودي حقيقي.

ما جرى في السابق مع رئيس بنما الأسبق الجنرال مانويل نورييغا، الذي اختُطف من بلده ونُقل إلى الولايات المتحدة لمحاكمته وسجنه، يُستعاد اليوم في السياق الفنزويلي، ما يعمّق الشعور بأن النظام الدولي القائم لم يعد قادرًا على حماية سيادة الدول ولا قادتها. هذه السوابق، وفق قراءات سياسية متزايدة، تقضي عمليًا على الأمل في بناء منظومة قانونية دولية عادلة، وتعيد العلاقات الدولية إلى منطق ما قبل الحرب العالمية الثانية، حيث كانت القوة وحدها هي الحكم.

في المقابل، تبرز ازدواجية المعايير الأمريكية بوضوح في تعاملها مع المؤسسات القضائية الدولية. فالولايات المتحدة لم تكتفِ برفض الاعتراف باختصاص المحكمة الجنائية الدولية، بل ذهبت إلى حد معاقبتها عندما أصدرت مذكرات أو قرارات تطال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، رغم كونه مطلوبًا بموجب القانون الدولي. هذا الموقف، الذي قوبل بصمت أو تواطؤ غربي، يعكس توظيفًا انتقائيًا للقانون الدولي، يُستدعى حين يخدم المصالح، ويُدفن حين يقيّد الحلفاء.

ويرى محللون أن ما أقدمت عليه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يشكل خرقًا صريحًا لمبادئ القانون الدولي، بل إعلانًا غير مباشر عن دفنه. فبعد هذه السوابق، لن تجد أي دولة نفسها مطمئنة إلى أن سيادتها أو قيادتها محمية بنصوص قانونية أو مواثيق أممية. وبات منطق التسلح وتعزيز القدرات الدفاعية هو الخيار الوحيد أمام الدول لضمان بقائها، في عالم يتجه نحو شريعة الغاب.

ويحذر مراقبون من أن هذه السابقة الخطيرة تفتح الباب أمام سيناريوهات غير مسبوقة. فإذا كان اختطاف رئيس دولة مستقلة أصبح أمرًا ممكنًا، فما الذي يمنع، نظريًا، روسيا من استهداف القيادة الأوكرانية، أو الصين من اتخاذ خطوات مماثلة تجاه قادة تايوان، أو دول إقليمية من تصفية حساباتها خارج أي إطار قانوني؟ التاريخ القريب يذكر بأن القوى الكبرى لم تتردد في الماضي في الإطاحة بأنظمة أو تصفية قادة، كما حدث مع صدام حسين ومعمر القذافي، ما يجعل تكرار هذه السيناريوهات احتمالًا قائمًا في أي لحظة.

ردود الفعل الغربية على التطورات الأخيرة بدت، في مجملها، متماهية مع الموقف الأمريكي، سواء بدافع التحالف أو الخشية من العقوبات والضغوط. من دول أوروبية كإيطاليا، إلى مؤسسات الاتحاد الأوروبي، مرورًا بتركيا، غلب الصمت أو التبرير. في المقابل، عبّرت روسيا عن رفضها الصريح لهذه الممارسات، ونددت بما اعتبرته انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، محذرة من تداعياته الخطيرة على الاستقرار العالمي. ويرى بعض الخبراء أن نتائج هذا النهج قد تكون مدمرة حتى على الولايات المتحدة نفسها، لما يولده من فوضى وعدم قابلية للسيطرة.

قضية فنزويلا، في هذا السياق، لا تُقرأ كحدث معزول، بل كحلقة ضمن مسار أعاد البشرية إلى حالة سلم هش، شبيه بذلك الذي سبق اندلاع الحروب الكبرى. فالعالم الذي خرج من حرب أودت بحياة أكثر من 55 مليون إنسان، ومن حروب تحرر التهمت ملايين الأرواح، يجد نفسه اليوم أمام خطر الانزلاق نحو مواجهة عالمية ثالثة. وهذه المواجهة، كما يحذر كثيرون، لن تكون تقليدية، بل نووية، بما يحمله ذلك من تهديد وجودي للإنسانية جمعاء.

ويذهب بعض المحللين إلى أن الدافع الحقيقي وراء التصعيد الأمريكي يتجاوز البعد القانوني أو السياسي، ليرتبط بالصراع العالمي على الطاقة والنفوذ. ففنزويلا، صاحبة أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، تمثل هدفًا استراتيجيًا في سياق التحضير لمواجهة شاملة مع الصين، القوة الاقتصادية والعسكرية الصاعدة. ومن هذا المنظور، يُنظر إلى ما جرى على أنه محاولة لإعادة رسم خرائط السيطرة على مصادر الطاقة، لضمان تفوق أمريكي في صراع عالمي طويل الأمد.

 يبدو أن ما يحدث اليوم لا يهدد دولة بعينها فقط، بل يهدد الأسس التي قام عليها النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية. ومع تراجع القانون الدولي أمام منطق القوة، يدخل العالم مرحلة غامضة، عنوانها الفوضى وعدم اليقين، حيث لم تعد القواعد واضحة، ولا الضمانات قائمة، وهو ما يجعل المستقبل مفتوحًا على كل الاحتمالات، بما فيها الأسوأ.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

محاولة استهداف بوتين… تصعيد خطير يهدد الاستقرار الدولي

أثارت الأنباء المتداولة حول محاولة استهداف محتملة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين موجة قلق وا…