«حكم ذاتي» بلا حكم!
إذا كان الحكم الذاتي في التجربة الدولية يعني ببساطة أن يحكم الإقليم نفسه بنفسه، فإن المقترح المغربي يقدّم تعريفاً بديلاً أكثر مرونة، أن تُدار من المركز، وتُقنع نفسك بأنك تحكم ذاتك. الاسم موجود، اللافتة مرفوعة، أمّا المحتوى فيأتي لاحقاً… أو لا يأتي.
في العالم، أول سؤال يُطرح عند الحديث عن الحكم الذاتي هو: من يحكم؟ الجواب عادةً ممل وواضح: الشعب ينتخب، والمؤسسات المحلية تقرّر. في المقترح المغربي، جرى تبسيط المسألة لتجنّب هذا التعقيد الديمقراطي. رئيس الإقليم يُعيَّن بمرسوم، ثم يُطلب من السكان التعامل مع الأمر بوصفه تجسيداً للإرادة الشعبية. هكذا نربح الوقت ونختصر الطريق، لا انتخابات مزعجة، ولا احتمالات نتائج غير مرغوبة.
أما الصلاحيات، فهي جوهر أي حكم ذاتي حقيقي، لكنها هنا تتحوّل إلى قائمة “مسموح به” بعناية. الدفاع، السياسة الخارجية، الأمن، العملة، القرار السيادي… كلها خارج النقاش. ما يتبقّى للإقليم هو إدارة الشؤون اليومية التي لا تُسبّب صداعاً للمركز. حكم ذاتي خفيف، قليل السعرات السياسية، مناسب لمن يخشى التخمة السيادية.
وحين يصل الحديث إلى الموارد الطبيعية، يُقدَّم الوعد المعتاد، ستستفيدون منها. لكن من دون أن يُقال كيف، وبأي ضمانات، ومن يقرّر في النهاية. كأن يُقال لك إنك شريك في الشركة، لكن مفاتيح الخزنة ستبقى في مكتب آخر، للضرورة طبعاً. الموارد هنا عنصر تزييني، لا حقاً سيادياً، تُستخدم لطمأنة الخطاب لا لتكريس القرار المحلي.
ثم تأتي الضمانات، أو بالأحرى غيابها. التجارب الناجحة في العالم لم تترك الحكم الذاتي معلقاً على حسن النية؛ حصّنته بدساتير وآليات رقابة وضمانات دولية. المقترح المغربي يختصر كل ذلك في فكرة بسيطة وأنيقة، ثقوا بنا. والثقة، كما هو معروف، سياسة ممتازة إلى أن تختلف المصالح أو تتغيّر الظروف.
وعندما نصل إلى الاستفتاء، تبلغ الفكرة ذروة الابتكار. في العادة، تقرير المصير يعني أن يقرّر الشعب المعني مصيره. هنا، جرى توسيع الدائرة، الجميع يقرّر، إلا من يعنيهم الأمر مباشرة. يتحوّل تقرير مصير شعب إلى استشارة وطنية عامة، حلّ عملي يوفّر عناء الاستماع إلى رأي الصحراويين أنفسهم.
المستقبل السياسي، في المقترح، مُدار بحكمة استباقية. لا حاجة لترك الباب موارباً أو الاعتراف بإمكانية التغيير. كل شيء “غير قابل للتراجع”. المستقبل هنا ليس حقاً، بل بنداً مغلقاً. هكذا نضمن الاستقرار، لا مفاجآت، لا خيارات، لا أسئلة محرجة.
أما الإشراف الدولي، ذلك التفصيل الذي رافق كل تسوية ناجحة في نزاعات مشابهة، فيُرفض رفضاً قاطعاً. ليس لأن الحل قوي إلى درجة لا يحتاج معها إلى ضمانات، بل لأن وجود مراقب محايد قد يفسد انسجام الرواية. فالحلول الأحادية تبدو دائماً أكثر جمالاً عندما تُعرض بلا مرايا.
وعند مقارنة هذه الصيغة بما يُسمّى حكماً ذاتياً في العالم، لا نكتشف فرقاً في التفاصيل، بل في الفلسفة. هناك، الحكم الذاتي عقد سياسي قائم على الاختيار والمساءلة. هنا، هو ترتيب إداري يُطلب من الجميع التعامل معه كحل نهائي. هناك، الباب مفتوح بإرادة الشعب. هنا، الباب مغلق بعناية، والمفتاح محفوظ في مكان آمن.
لا يبدو المقترح المغربي ضعيفاً لأنه يفتقر إلى اللغة أو الصياغة، بل لأنه يطلب من الناس أن يصدّقوا أمراً واحداً غير قابل للتصديق، أن حكماً ذاتياً بلا انتخاب، بلا صلاحيات سيادية، بلا ضمانات، وبلا أفق سياسي، يمكن أن يكون حكماً ذاتياً فعلاً. والسؤال الذي يفرض نفسه ليس لماذا يرفضه الصحراويون، بل كيف يُتوقّع منهم أن يتعاملوا معه بجدية.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
رئيس الجمهورية من بشار: رسالة الشهداء وقود الجزائر في معركة التنمية والإنجازات الكبرى
أكد رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، أن الجزائر تستمد من رسالة الشهداء الخالدة طاقته…






