حين تشرق الجزائر تتعثر باريس
فرنسا، تلك التي اعتادت أن تُلقي الدروس على الآخرين، تجد نفسها اليوم في قلب عاصفة سياسية واجتماعية تكاد تعصف بجمهوريتها الخامسة. تحت قبة البرلمان الفرنسي سقطت حكومة بايرو سقوطاً مدوياً، لتكشف هشاشة نظامٍ ظل لعقود يتبجّح بالصلابة والمؤسساتية. بلد يقدّم نفسه مرجعاً في الديمقراطية والحداثة يعيش اليوم أزمة ثقة غير مسبوقة، برلمان غاضب، شارع يغلي، ورئيس محاصر بين مؤسسات متصدعة وشرعية متآكلة. أية عبرة يمكن أن يقدّمها بلد غارق في أزماته الداخلية لغيره؟ وأي دروس يمكن أن يوزّعها نظام عاجز عن إدارة بيته الداخلي؟
باريس التي طالما نصّبت نفسها “معلّماً” للعالم، تُظهر عجزاً فاضحاً أمام أبسط معادلة، كيف تحكم شعباً يرفض سياساتك، وبرلماناً لا يمنحك الثقة، واقتصاداً يترنّح تحت وطأة الديون؟ مشهد السقوط هذا يفضح تناقض الجمهورية الخامسة التي طالما تغنّت بالاستقرار، فإذا بها تُختزل اليوم في صورة فوضى مؤسساتية وتخبّط سياسي. فرنسا التي اعتادت أن توبّخ العواصم الإفريقية على “ضعف مؤسساتها”، تبدو هي نفسها المثال الحي على مأزق نظام لم يعد يقنع مواطنيه ولا يقنع نفسه.
وفيما تنشغل باريس بتدبير انهيار حكومتها وتوقّي عاصفة اجتماعية مرشحة للتصعيد، تتجه الأنظار جنوباً نحو الجزائر. هناك، على الضفة الأخرى من المتوسط، بلدٌ يستعد ليكون منصّة لإفريقيا كلها عبر احتضانه الدورة الرابعة من المعرض الإفريقي للتجارة البينية (IATF 2025). حدث اقتصادي بهذا الحجم لا يختصر في معرض أو أروقة مزيّنة بالأعلام، بل في رسالة قوية، الجزائر لا تعيش على هامش التاريخ، بل تضع نفسها في قلب مشروع إفريقي طموح قوامه التكامل والتنمية.
الجزائر التي طالما وُصفت من قبل الإعلام الغربي كبلد هشّ أو تابع، تُظهر اليوم أنها القاطرة الاقتصادية الحقيقية للقارة، القادرة على جمع العواصم، تحريك المبادلات، وإعطاء نفس جديد لمشروع السوق الإفريقية المشتركة. إنها صورة معاكسة تماماً لفرنسا المأزومة، هنا بلد يبني المستقبل ويؤسس لمكانة قارية، وهناك بلد يتخبط في ماضٍ سياسي ينهار أمام عينيه.
التاريخ لا يرحم المترددين. فرنسا منشغلة بجراحها، والجزائر منشغلة بصناعة الغد. باريس تحاول لملمة بقايا جمهوريتها الخامسة، والجزائر تفتح صفحة جديدة من الحضور الإفريقي القوي. إنها مفارقة تضع العالم أمام مشهد بليغ، حين تتعثر قوة استعمارية قديمة في إدارة بيتها الداخلي، تنهض قوة إفريقية لصياغة أفق جديد لقارتها. بين سقوطٍ في باريس وصعودٍ في الجزائر، يتضح أن زمن توزيع الدروس انتهى، وأن زمن صناعة المستقبل بدأ من الجنوب.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
فيديو مغربي يُستعمل لتشويه صورة الجزائريين!
انتشر خلال الساعات الأخيرة على نطاق واسع مقطع فيديو يُظهر مشاهد أبواق سيارات وألعابًا ناري…







