سنوات الجمر… شهادة لا تُزوَّر يا حسين فهمي
خرج علينا الممثل المصري المعروف حسين فهمي، عبر أحد البودكاستات، بتصريحات مستفزة طعن فيها في السينما الجزائرية، وذهب إلى حدّ الادعاء بأن حصول فيلم سنوات الجمر للمخرج المجاهد الراحل محمد لخضر حمينة على السعفة الذهبية في مهرجان كان سنة 1975 لم يكن نتيجة قيمة فنية، بل ثمرة “تفاوض سياسي” بين الجزائر وفرنسا، مستندًا في كلامه إلى زعم وجود صفقة مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك، وأضاف أنه كان حاضرًا آنذاك في مهرجان كان وتزامن ذلك مع زيارة الرئيس الفرنسي للجزائر.
أول ملاحظة أساسية تكشف زيف هذا الادعاء، أن سنة 1975 لم يكن جاك شيراك رئيسًا لفرنسا أصلًا، بل كان الرئيس الفرنسي آنذاك فاليري جيسكار ديستان، وهو الذي زار الجزائر في شهر أفريل 1975. أما مهرجان كان، فقد انعقد في شهر ماي من نفس السنة، أي بعد الزيارة بحوالي شهر كامل، وليس في نفس التوقيت كما يدّعي حسين فهمي. هذا الخطأ وحده كافٍ لإسقاط الرواية برمتها، لأنه يثبت أن المتحدث إما يجهل الوقائع التاريخية أو يتعمد تحريفها.
ثم إن زيارة الرئيس جيسكار ديستان للجزائر لم تكن زيارة مريحة أو ودّية كما يحاول تصويرها هذا الممثل، بل تخللتها توترات وأزمات دبلوماسية، ولم تكن بأي حال من الأحوال مناسبة لعقد صفقات ثقافية أو فنية من هذا النوع. ولو كانت جائزة السعفة الذهبية تُمنح بالتفاوض السياسي كما يزعم، فلماذا لم تفاوض بلاده مصر خلال خمسين سنة كاملة للحصول عليها؟ ولماذا لم تُمنح الجوائز الكبرى لدول بعينها بحكم وزنها السياسي؟ هذا المنطق وحده يكشف سطحية الطرح وتناقضه.
السينما الجزائرية، بشهادة كبار المخرجين العالميين، كانت ولا تزال مدرسة قائمة بذاتها. والمخرج الراحل يوسف شاهين، الذي عاش فترات إحباط قاسية في بلده، صرّح غير مرة بأنه وجد في الجزائر دعمًا معنويًا وماديًا حقيقيًا، وكان صادقًا ونزيهًا في اعترافه بقيمة السينما الجزائرية ودورها الريادي، ولم يلجأ يومًا إلى التقليل من شأنها أو التشكيك في إنجازاتها.
أما المخرج المجاهد الراحل محمد لخضر حمينة، فلم يكن سينمائيًا عاديًا جاء من فراغ. فقد تعلّم فنون التصوير والإخراج وهو مجاهد في الولاية الأولى التاريخية، وتتلمذ على يد المصور الشخصي للرئيس اليوغوسلافي المجاهد ستيفان لابودوفيتش، الذي ترك منصبه قرب الرئيس جوزيف بروز تيتو، والتحق بالثورة الجزائرية. وقد استقبلته قيادة الولاية الأولى التي كان من بين مسؤوليها الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد رفقة المجاهد الراحل سليم سعدي.
هناك، في جبال الأوراس، تعلّم محمد لخضر حمينة أسرار الكاميرا وفنون الصورة في ظروف نضالية قاسية، لا في صالونات المهرجانات. وقد صرّح لنا المجاهد اليوغوسلافي ستيفان لابودوفيتش نفسه بذلك سنة 1982 في بلغراد، قبل تفكك يوغوسلافيا، مؤكدًا الدور الذي لعبه في تكوين جيل من السينمائيين الجزائريين.
وللتاريخ، فإن لابودوفيتش هو من أنجز فيلم جزائرنا الذي عُرض في الأمم المتحدة أثناء مناقشة القضية الجزائرية، وطلبت منه جبهة التحرير الوطني آنذاك عدم وضع اسمه كمخرج، حتى يبقى الفيلم منسوبًا للثورة الجزائرية، وهو ما أكده بنفسه في شهاداته.
إذن، مخرج سنوات الجمر تعلّم السينما على أيدي كبار المجاهدين والمصورين، ثم عمّق معارفه بعد الاستقلال، وأنجز أعمالًا خالدة وثّقت تاريخ الجزائر ومعاناة شعبها، وكان سنوات الجمر ذروة هذا المسار، لأنه عمل صادق نابع من تجربة عاشها شخصيًا كمجاهد في الأوراس، قبل أن يحولها إلى لغة سينمائية عالمية فهمتها لجان التحكيم دون حاجة إلى وساطات أو صفقات.
تصريحات حسين فهمي التي تستصغر السينما الجزائرية وتشكك في إنجازاتها ليست سوى كلام حاقد، صادر عن جهل بتاريخ الفن السابع في الجزائر، وعن عقدة واضحة تجاه نجاح لم تستطع سينما بلده تحقيقه رغم الإمكانات. فالسينما الجزائرية مشهود لها عالميًا، وكانت في فترات كثيرة من أكثر السينمات التزامًا وجرأة، وانتزاعها للسعفة الذهبية منذ خمسين سنة لم يكن مجاملة ولا تفاوضًا، بل تتويجًا لمسار نضالي وفني صادق.
ردي على تصريحات حسين فهمي هو قبل كل شيء إنصاف للمجاهد الراحل محمد لخضر حمينة، الذي لم يعد بيننا ليرد على هذه الأكاذيب والترهات. وهو أيضًا دفاع عن ذاكرة السينما الجزائرية في وجه محاولات التشويه والحقد.
رحم الله المخرج الكبير يوسف شاهين، الذي قال كلمة حق في زملائه الجزائريين، ولم يساوم يومًا على الحقيقة.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
التشهير بالمفطرين… مسار خارج القانون
اعتدنا من محامٍ جزائري معروف، مع حلول كل شهر رمضان، على الخروج بتصريحات وأفكار تثير جدلًا …





