شاعر الذباب… لا شاعر الشعب
صار من عادة إعلام المخزن أن يصنع “رموزاً جاهزة” كلما ضاقت به الأزمات الداخلية. يفتحون علبة جديدة كل أسبوع، مرة “مناضل”، مرة “سجين رأي”، ومرة “شاعر ثائر”. آخر بضاعة في السوق هي محاولة تحويل ملف قضائي عادي في الجزائر إلى “ملحمة شعرية” مكتوبة على مقاس حملاتهم التقليدية.
المثير للسخرية أن هذا الإعلام نفسه، الذي لا يسمح بتنفّسٍ خارج السرب داخل حدوده، يخرج فجأة ليلقي محاضرات على الجزائريين حول حرية التعبير، وكأن الرباط أصبحت واحة للديمقراطية. بلدٌ تحتاج فيه التغريدة إلى تأشيرة، والصورة إلى محامٍ، والرأي إلى “رخصة مرور”، يريد أن يقدّم نصائح لبلد يملك من التجربة ما يكفي ليعرف الفارق بين حرية التعبير والفوضى.
وقبل أن يوزّع إعلام المخزن شهادات الحرية على الجيران، كان الأجدر به أن يراجع دفتر بيته الداخلي. فالقائمة طويلة، ومعروفة دولياً، ولا تحتاج إلى تفسير، عمر الراضي الذي قادته تغريدة إلى أشهر من الاعتقال، سليمان الريسوني الذي أضرب عن الطعام حتى كاد يفقد حياته، وتوفيق بوعشرين الذي شغل ملفه المحاكم والمنظمات العالمية، وحاتم/حميد المهدوي الذي سُجن بسبب خبر، ومعطي منجب الذي علقت أقدامه بين المحاكم ومنع السفر، وسعيدة العلمي التي طاردتها المتابعات بسبب منشورات، وفاطمة كريم التي سجنت بسبب رأي، وإبتسام لشكر التي دفعت ثمن صورة، وناصر الزفزافي الذي ما زال “حراك الريف” شاهداً على قصته. ومع كل هذا، يتجاهل الإعلام المغربي هذه الملفات الثقيلة ويختار التركيز على “شاعر” فايسبوك في الجزائر صنعه الذباب الالكتروني المخزني وكأنه ثغرة استراتيجية تستحق حالة استنفار.
وما يغيب عن هذا الإعلام أنه يخاطب شعباً يعرف جيداً من هم شعراؤه الحقيقيون. فالجزائر أنجبت ولم تعقر، ولا تزال تنجب الشعراء الذين كتبوا تاريخ هذا الشعب بالدموع والبارود والكلمات. هنا وُلد مفدي زكريا الذي صاغ “قسماً”، ومحمد العيد آل خليفة الذي حمل لواء الهوية، وأحمد سحنون وأبو القاسم سعد الله ومحمد الأخضر السائحي الذين كتبوا للوطن قبل أن يكتبوا للناس، ومصطفى نطور ومحمد الصالح باوية الذين منحوا للكلمة الشعبية سلاحها، والجيلالي اليابس وصالح خرفي والهادي فليسي الذين رسخوا أن الشعر ليس زخرفاً بل موقفاً. هذه الأسماء وأمثالها هي التي يعرفها الجزائريون، وهي التي أنجبتها الأرض ولم تستوردها من وراء الحدود. ولذلك فإن هذا الشعب الذي تعب من التضليل يعرف الفرق بين الشعر الحقيقي وغوغاء الضجيج، ويميز بين الكلمة التي تُبنى والكلمة التي تُهرّج، وبين صوت شاعر يحمل قضية وصوت آخر لا يتجاوز صدى هاتفه.
المشكلة ليست في الشخص ولا في قضيته، بل في هذا الولع الدائم لدى إعلام المخزن بصناعة الأساطير خارج حدوده كلما عجز عن مواجهة واقعه. كلما صدر تقرير حقوقي عن المغرب، تنفجر قضية “إنسانية” جديدة في الجزائر. وكلما زادت ضغوط الداخل، يكبر الضجيج حول الخارج. إنها محاولة عبثية للهروب من الحقيقة، لا أكثر.
والجزائريون، بحكم التجربة والذاكرة، يعرفون أن الشعر لا يُكتب تحت الطلب، وأن الحرية ليست منشوراً فايسبوكياً، وأن الرموز الوطنية لا تُصنع في غرف تحرير مرتبكة. الجزائر التي أنجبت شعراءها ورموزها لا تنتظر من إعلام المخزن أن يختار لها أبجديتها وخاصة اذا كان “الشاعر” المختار متسرب مدرسي ومستواه لا يتجاوز المتوسط.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
فيديو مغربي يُستعمل لتشويه صورة الجزائريين!
انتشر خلال الساعات الأخيرة على نطاق واسع مقطع فيديو يُظهر مشاهد أبواق سيارات وألعابًا ناري…







