‫الرئيسية‬ الأولى “فرانس 2” تشرعن الإساءة لرئيس الجزائر باسم الصحافة!
الأولى - الحدث - الوطني - رأي - مقالات - ‫‫‫‏‫3 أيام مضت‬

“فرانس 2” تشرعن الإساءة لرئيس الجزائر باسم الصحافة!

"فرانس 2" تشرعن الإساءة لرئيس الجزائر باسم الصحافة!

بثّت قناة تلفزيونية عمومية فرنسية، في سهرة الخميس، روبورتاجًا حول الجزائر. ولم يكن أحد في الجزائر ينتظر من هذا العمل أن يكون مادحًا أو منصفًا، فالنقد، وحتى القاسي منه، أصبح جزءًا ثابتًا من تناول الإعلام الفرنسي للشأن الجزائري منذ عقود، وربما منذ أكثر من أربعين سنة. هذا واقع معروف ومفهوم في إطار اختلاف الرؤى والمصالح. غير أن الجديد في هذا الروبورتاج، الذي بُثّ مؤخرًا، لا يكمن في مضمون النقد ذاته، بل في تجاوز غير مسبوق لحدود اللباقة والاحترام المتعارف عليها دوليًا عندما يتعلق الأمر برؤساء الدول والحكومات.

السماح لأحد الضيوف بتوجيه إهانة صريحة لرئيس الجمهورية الجزائرية على شاشة قناة عمومية فرنسية لا يمكن اعتباره زلة لسان عابرة أو رأيًا شخصيًا معزولًا. من الناحية الأخلاقية والمهنية، ما حدث يُعد سقوطًا فاضحًا، لأن الإهانة الموجهة إلى رئيس الدولة ليست موجهة إلى شخصه فحسب، بل تُقرأ سياسيًا ورمزيًا على أنها إساءة إلى الدولة التي يمثلها، وإلى الشعب الذي انتخبه. وهو ما يجعل هذا الانزلاق تطورًا خطيرًا في الخطاب الإعلامي الفرنسي تجاه الجزائر، خاصة عندما يصدر عن إعلام عمومي يُفترض فيه الالتزام بأعلى معايير المسؤولية.

الأخطر من ذلك أن هذا التجاوز لا يبدو معزولًا أو بريئًا، بل يندرج ضمن مناخ عام يُغذّي التصعيد ويُطبع معه، وكأن هناك من قرر الانتقال من منطق النقد السياسي إلى منطق الإهانة الرمزية. من خطّط لهذا الأسلوب يدرك جيدًا أن نتائجه لن تكون إعلامية فقط، بل ستكون لها انعكاسات سياسية ودبلوماسية حقيقية، في علاقة تعيش أصلًا توترات متراكمة.

وللمقارنة فقط، لم نشهد في الإعلام الجزائري الرسمي أي انزلاق مماثل في حق رئيس الجمهورية الفرنسية، حتى في قضايا بالغة الحساسية. فعندما قامت أجهزة استخبارات فرنسية بعملية تهريب الممرضة عبر الأراضي الجزائرية ثم التونسية، في عملية مثّلت اختراقًا خطيرًا للسيادة الجزائرية وتجاوزًا واضحًا للأعراف الدبلوماسية، لم تُسجّل أي حملات سبّ أو شتم على القنوات العمومية الجزائرية ضد الرئيس الفرنسي. جرى التعامل مع الملف سياسيًا ودبلوماسيًا، كما تقتضي أعراف العلاقات بين الدول، لا بمنطق التشهير الإعلامي.

ما قامت به القناة العمومية الفرنسية لا يمكن فصله عن تيار سياسي وإعلامي داخل فرنسا لا يزال ينظر إلى الجزائر بعين عدائية، ويرفض، في العمق، نتائج استقلالها وخياراتها السيادية. هذا التيار يختلف عن قوى سياسية وإعلامية فرنسية أخرى تسعى، رغم الخلافات، إلى إبقاء الحوار مفتوحًا والعمل على تقريب وجهات النظر. غير أن الانتقال من النقد إلى الشتيمة يمثل خطًا أحمر، ويُعد سلوكًا مدانًا من أي مواطن، جزائريًا كان أو غير جزائري، يتمتع بحد أدنى من العقلانية والاتزان.

ومن المفيد التذكير، في هذا السياق، بأن رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون شدّد شخصيًا، في أكثر من لقاء مع إعلاميين جزائريين، على ضرورة التحلي باللباقة والاحترام عند تناول شؤون الدول الأخرى ورؤسائها، حتى في سياق النقد السياسي. وقد دعا بوضوح إلى الفصل بين نقد السياسات والتوجهات، وهو أمر مشروع، وبين الانزلاق إلى الشخصنة والسبّ، وهو أمر مرفوض. هذه الشهادة أسجّلها اليوم لأنها تعكس مقاربة أخلاقية واضحة تهدف إلى إبقاء الخلافات بين الدول ضمن أطرها السياسية والدبلوماسية، لا دفعها إلى مستوى الانحطاط الخطابي.

التدني الأخلاقي في الخطاب الإعلامي ليس وليد الصدفة. فمنذ اندلاع الأزمة الأوكرانية، بدأت تطفو على السطح لغة غير مسبوقة في وصف قادة دول كبرى، بما في ذلك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، من طرف مسؤولين غربيين بارزين، وصولًا إلى رؤساء دول سابقين. ومع ذلك، ظل الرد الروسي لسنوات محكومًا بضبط النفس، قبل أن يأتي متأخرًا وبعبارات قاسية عندما بلغ التراكم مداه. حينها، ساد صمت مريب، لأن الجميع يدرك أن الكلمات في العلاقات الدولية لا تكون معزولة عن الأفعال.

إن ما قام به التلفزيون العمومي الفرنسي في حق رئيس الجمهورية الجزائرية انزلاق خطير وانحراف واضح عن المبادئ الأخلاقية والمهنية التي يفترض أن تلتزم بها دولة تدّعي الدفاع عن قيم حقوق الإنسان والاحترام المتبادل بين الشعوب. وقد يكون هذا السلوك بحثًا عن استفزاز جديد أو “حادثة مروحة” أخرى، لكنه جاء في المكان الخطأ والزمان الخطأ، وفي ظرف إقليمي ودولي لا يحتمل مزيدًا من التصعيد العبثي.

الإعلام العمومي ليس فضاءً لتصفية الحسابات ولا منصة للشتائم السياسية، بل مسؤولية. وعندما يُفرّط في هذه المسؤولية، فإنه لا يسيء فقط إلى من يستهدفهم، بل يسيء أولًا إلى القيم التي يدّعي تمثيلها.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

تصريح بيراف يقرع ناقوس الخطر.. “نزع الجنسية” سلاح ضد الرأي؟!

أثار تصريح مصطفى بيراف، رئيس رابطة اللجان الأولمبية الإفريقية، موجة واسعة من الجدل بعد حدي…