فيديو مغربي يُستعمل لتشويه صورة الجزائريين!
انتشر خلال الساعات الأخيرة على نطاق واسع مقطع فيديو يُظهر مشاهد أبواق سيارات وألعابًا نارية وأجواء فرح صاخبة في منطقة ساحلية، وجرى تقديمه على أنه يوثّق “احتفالات في الجزائر” عقب خسارة المنتخب المغربي أمام السنغال بنتيجة هدف دون رد في نهائي كأس إفريقيا للأمم. الفيديو، الذي حصد أكثر من مليون مشاهدة، جرى تداوله بشكل مكثف عبر منصات التواصل الاجتماعي، خصوصًا على منصة “إكس” وفيسبوك، من حسابات تصف نفسها بأنها منصات إخبارية جزائرية أو إفريقية.

المنشورات المرافقة للفيديو ذهبت إلى حد الجزم بأن المشاهد تعود إلى العاصمة الجزائرية، مع تعليقات تتحدث عن “فرحة هستيرية” و”احتفالات كبيرة”، في سياق سياسي ورياضي حساس يتسم بتوتر العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر والمغرب، وتاريخ طويل من المنافسة الرياضية بين المنتخبين. كما أعادت حسابات إفريقية تداول الفيديو مصحوبًا بتساؤلات ساخرة من قبيل: “من الفائز الحقيقي، السنغال أم الجزائر؟”، ما ساهم في تعزيز رواية مثيرة وقابلة للانتشار السريع.
هذا الادعاء بدا، للوهلة الأولى، قابلًا للتصديق لدى بعض المتابعين، خاصة أن بعض وسائل الإعلام الجزائرية كانت قد رصدت بالفعل مظاهر فرح محدودة في بعض المدن عقب إقصاء المنتخب المغربي، باعتبار ذلك حدثًا رياضيًا له رمزيته لدى جزء من الجمهور. غير أن التحقق من صحة الفيديو ذاته، ومن مكان وزمان تصويره، ظل عنصرًا حاسمًا في تحديد مدى صحة هذه الرواية.
في إطار التدقيق، أُجري بحث عكسي عن الفيديو المتداول، سمح بالعثور على نسخة منشورة على منصة “تيك توك” قبل أربعة أيام من نهائي كأس إفريقيا، ما يطرح أول تناقض زمني واضح مع الادعاء القائل إن المشاهد صُوّرت ليلة المباراة النهائية. وباستخدام أدوات رقمية متخصصة تتيح معرفة التوقيت الدقيق للنشر، تبيّن أن الفيديو نُشر يوم الأربعاء 14 جانفي على الساعة 23:44 بالتوقيت العالمي، أي قبل أيام من النهائي، وفي توقيت يتزامن مع نهاية مباراة نصف النهائي التي جمعت المنتخب المغربي بنظيره النيجيري.
المعطيات التقنية المرتبطة بالحساب الذي نشر الفيديو للمرة الأولى كشفت بدورها عنصرًا إضافيًا مهمًا، إذ أظهرت البيانات المستخرجة من الكود المصدري للصفحة أن الحساب ينشط من داخل المغرب. كما أظهرت التعليقات المرافقة للفيديو نقاشًا بين المستخدمين حول موقع التصوير، حيث انقسمت الآراء بين من رجّح أن تكون المشاهد من الجزائر العاصمة، ومن اعتبر أنها تعود إلى مدينة طنجة المغربية.
لحسم هذا الجدل، جرى التركيز على العناصر البصرية الظاهرة في الفيديو. ويُلاحظ بوضوح وجود شارع ساحلي تحيط به أشجار نخيل، مع شاطئ قريب، إضافة إلى مخرج موقف سيارات مغطى بالزجاج يُعدّ عنصرًا معماريًا مميزًا. بمقارنة هذه التفاصيل مع صور الأقمار الصناعية وخرائط “غوغل”، تبيّن وجود تطابق دقيق بين هذه العناصر ومرافق معروفة على كورنيش مدينة طنجة شمال المغرب. كما أمكن العثور على صور أخرى منشورة على الإنترنت تُظهر نفس المخرج الزجاجي في الموقع ذاته، ومُعرّفة صراحة على أنها ملتقطة في طنجة.
هذا التطابق البصري، إلى جانب المعطيات الزمنية والتقنية، يؤكد أن الفيديو لم يُصوّر في الجزائر، بل في المغرب. كما أن توقيت نشره يتوافق مع أجواء الفرح التي عمّت مدنًا مغربية ليلة فوز المنتخب المغربي على نيجيريا في نصف نهائي كأس إفريقيا، عقب مباراة حُسمت بركلات الترجيح وانتهت قبيل منتصف الليل بالتوقيت المحلي.
وبناءً على هذه العناصر مجتمعة، يتبيّن أن الفيديو المتداول يوثّق في الواقع احتفالات مغربية بالتأهل إلى نهائي البطولة، قبل أن يُعاد توظيفه لاحقًا خارج سياقه الأصلي، ويُقدّم على أنه احتفالات جزائرية عقب خسارة المغرب في النهائي. هذا الأسلوب في إعادة استخدام المحتوى البصري يُعدّ من أكثر أشكال التضليل انتشارًا، حيث تُستعمل صور أو فيديوهات حقيقية، لكن يُغيّر سياقها الزمني أو الجغرافي لإيصال رسالة مضللة.
الحالة الراهنة تُبرز مجددًا كيف يمكن لمحتوى واحد، عند فصله عن سياقه الأصلي، أن يتحول إلى أداة لإشعال الجدل وتأجيج المشاعر، خصوصًا في مواضيع حساسة تجمع بين الرياضة والسياسة والهوية. كما تُظهر أهمية أدوات التحقق الرقمي، من البحث العكسي إلى تحليل البيانات الوصفية والمقارنة البصرية، في تفكيك الروايات الزائفة ووضع الوقائع في إطارها الصحيح.
الخلاصة أن الفيديو الذي جرى تقديمه على أنه يوثّق احتفالات في الجزائر بعد خسارة المغرب في نهائي كأس إفريقيا لا علاقة له بالجزائر لا من قريب ولا من بعيد، بل صُوّر في مدينة طنجة المغربية خلال احتفالات الفوز على نيجيريا في نصف النهائي. وما حدث يُعد مثالًا واضحًا على التضليل البصري، بل و”هدفًا عكسيًا” في مجال نشر الأخبار الزائفة، حيث انقلبت الرواية على أصحابها بمجرد إخضاعها للتدقيق المهني.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
عدل 3: نواب يراسلون وزير السكن بسبب الغموض وتعطّل المنصة
انتقل الجدل المتصاعد حول برنامج عدل 3 (AADL 3) من فضاء الشكاوى الفردية والمنصات الرقمية إل…






