كيف يدفع المسيحيون الصهاينة بأجندة «إسرائيل الكبرى»؟
أثار تصريح حديث للسفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي، خلال مقابلة إعلامية مع الصحفي الأمريكي تاكر كارلسون، موجة صدمة واسعة في أوساط سياسية وشعبية في الشرق الأوسط. فقد قال السفير، المنتمي إلى التيار الإنجيلي المسيحي الصهيوني، بوضوح إن لإسرائيل «حقاً تاريخياً ودينياً» في إقامة دولتها «من النيل إلى الفرات»، مستنداً إلى تفسيرات توراتية تتبناها أوساط دينية نافذة داخل الولايات المتحدة.
هذا التصريح، الذي قوبل بتنديدات رسمية تقليدية من عواصم عربية، أعاد إلى الواجهة مشروع «إسرائيل الكبرى» كما يتصوره رجال الدين المتصهينون وحلفاؤهم السياسيون. ووفق هذه الرؤية، لا تقتصر إسرائيل على حدودها الحالية، بل تمتد لتشمل أجزاء من سوريا ولبنان والعراق، إضافة إلى أراضٍ من مصر والأردن والسعودية، في تصور توسعي يتجاوز كل القوانين والمرجعيات الدولية المعمول بها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
ويأتي تصريح السفير الأمريكي منسجماً مع مواقف سابقة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي لم يُخفِ في أكثر من مناسبة تبنيه لخطاب «إسرائيل الكبرى»، كما يلتقي مع تصريحات أدلى بها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب خلال حملاته الانتخابية، حين عرض خريطة لإسرائيل وعلّق بأنها «صغيرة على غير المنطقي». كما يندرج في السياق نفسه تصريح سفير أمريكي سابق في تركيا، اعتبر فيه أن الشرق الأوسط لا يضم «دولاً حقيقية»، بل قبائل وعشائر، وأن الحدود القائمة «غير واقعية»، وهو خطاب يعكس نظرة استخفافية بالسيادة الوطنية لدول المنطقة.
هذه المؤشرات مجتمعة تكشف عن وجود تيار مؤثر داخل دوائر القرار في الولايات المتحدة يتبنّى أطروحات توسعية تصبّ في خدمة المشروع الإسرائيلي، ويوفّر له غطاءً دينياً وسياسياً. ويُقرأ هذا التوجّه أيضاً في سياق التصعيد المستمر ضد إيران، التي بات يُنظر إليها كعقبة أمام المشروع الإسرائيلي التوسعي، رغم أن سياسات طهران الإقليمية نفسها تثير جدلاً واسعاً واعتراضات من أطراف متعددة في المنطقة.
ويرى محللون أن أي ضربة كبرى لإيران من شأنها أن تُسهّل فرض وقائع جديدة على الأرض، خاصة أن عدداً من الدول العربية التي تقع ضمن نطاق «الخريطة المتخيلة» لإسرائيل الكبرى ترتبط، سياسياً وعسكرياً، بعلاقات وثيقة مع واشنطن، ما قد يحدّ من قدرتها على الدفاع عن أراضيها في حال تعرّضت لاعتداء مباشر. فمصر والسعودية والأردن، على سبيل المثال، تعتمد في تسليحها بدرجة كبيرة على المنظومة العسكرية الأمريكية، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول هامش استقلال القرار الدفاعي في لحظات الأزمات الكبرى.
وفي هذا السياق، يذهب بعض المراقبين إلى أن التمسك الشكلي بالقانون الدولي لم يعد كافياً، في عالم يشهد تفكك منظومة القواعد التي أُرست بعد الحرب العالمية الثانية. فموازين القوى العسكرية باتت، في نظرهم، العامل الحاسم في حماية السيادة، بينما الدول التي تفتقر إلى أدوات الردع قد تجد نفسها عرضة لتغييرات جغرافية قسرية.
أما القضية الفلسطينية، فيرى كثيرون أن الاكتفاء بالبيانات السياسية والدعوات العامة لم يعد مجدياً. فمشروع الدولة الفلسطينية المستقلة، الذي كانت غزة تمثل إحدى ركائزه الأساسية، تلقّى ضربة قاصمة بعد الدمار الواسع الذي لحق بالقطاع. ومع غياب الميناء والمطار، وتدمير البنية التحتية، باتت مقومات الدولة الفلسطينية شبه معدومة، ما يطرح أسئلة صعبة حول مستقبل هذا المشروع في ظل الواقع الراهن.
وفي ضوء هذه التطورات، يخلص متابعون إلى أن الردّ على مشروع توسعي بحجم «إسرائيل الكبرى» لا يمكن أن يقتصر على الإدانات اللفظية، بل يستدعي مراجعة عميقة للسياسات الإقليمية، وتعزيز مقومات الاستقلال الاستراتيجي، وبناء توازنات جديدة قادرة على مواجهة تحولات خطيرة قد تعيد رسم خريطة المنطقة بأكملها.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
هل أصبحت “فرانس 24” منصة لترويج خطاب المخزن؟
يبدو أن الحملات التي يشنّها المخزن المروكي ضد الجزائر، والتي انطلقت منذ أكثر من خمس سنوات،…






