هل تجرّ رسوم الأمتعة الخطوط الجزائرية أمام القضاء الأوروبي؟
أثار القرار الأخير للخطوط الجوية الجزائرية القاضي بالتشديد الصارم لقواعد الأمتعة المحمولة داخل المقصورة، وفرض رسم مالي يصل إلى 180 يورو على أي حقيبة إضافية أو غير مطابقة، موجة واسعة من الجدل والقلق في أوساط المسافرين، خاصة على الرحلات الدولية المتجهة نحو أوروبا. وقد عبّر عدد كبير من المسافرين والناشطين على منصات التواصل الاجتماعي عن استيائهم من هذا الإجراء، معتبرين أنه يمس مباشرة براحة المسافر ويضعه أمام تكاليف مرتفعة وغير متوقعة في آخر مراحل الرحلة.
ومنذ مطلع سنة 2026، شرعت الشركة الوطنية في التطبيق الصارم لسياسة “قطعة واحدة فقط” من الأمتعة اليدوية داخل المقصورة، محددة وزنها الأقصى بـ10 كلغ وأبعادها بـ55 سم طولًا، 35 سم عرضًا و25 سم سُمكًا. وبموجب هذه القواعد، يُعد أي غرض إضافي خارج هذه الحقيبة، سواء كان حقيبة يد صغيرة أو حقيبة حاسوب محمول أو حقيبة ظهر، أمتعة غير مصرح بها، ويتم تحويله آليًا إلى عنبر الأمتعة عند بوابة الإركاب مقابل الرسم المحدد. وتؤكد الشركة أن هذه الإجراءات تندرج في إطار احترام معايير السلامة وتنظيم الفضاء داخل الطائرة.
غير أن هذه السياسة الجديدة، بحسب ما يعبّر عنه مسافرون، لا تميّز بين الأمتعة الفعلية والأغراض الشخصية الأساسية. فقد اعتبر كثير من المتعاملين مع الخطوط الجوية الجزائرية أن تصنيف حقيبة الحاسوب المحمول أو حقيبة اليد الصغيرة كأمتعة إضافية يمثل تشددًا غير مبرر، خاصة وأن هذه الأغراض تُعد في نظرهم مستلزمات شخصية أو مهنية لا يمكن الاستغناء عنها أثناء السفر، ولا يُنصح بشحنها في الأمتعة المسجلة لأسباب تتعلق بالسلامة أو بطبيعة استخدامها.
وعلى منصات التواصل الاجتماعي، تداول مسافرون شهادات تفيد بتفاجئهم عند بوابات الإركاب بإلزامهم إما بإدخال حقيبة الحاسوب داخل الحقيبة اليدوية الرئيسية، أو دفع رسوم مرتفعة قد تصل إلى 180 يورو. واعتبر كثيرون أن هذا التطبيق الصارم يفتقر إلى المرونة، ولا يمنح المسافر بدائل معقولة، خاصة في الرحلات الطويلة أو رحلات العمل التي تتطلب حمل تجهيزات إلكترونية أساسية.
ويأخذ هذا الجدل بعدًا قانونيًا أوسع عند مقارنته بالمعايير القضائية المعمول بها داخل الاتحاد الأوروبي. فقد رسّخت محكمة العدل للاتحاد الأوروبي، في حكم صادر سنة 2014، مبدأ مفاده أن الأمتعة المحمولة داخل المقصورة تُعد جزءًا لا يتجزأ من عقد النقل الجوي، ولا يجوز إخضاعها لرسوم إضافية طالما كانت ذات وزن وأبعاد معقولة ومتوافقة مع متطلبات السلامة. ورغم أن الحكم لم يحدد بشكل دقيق المقاييس الرقمية للحقيبة “المعقولة”، إلا أنه اعتبر حقيبة اليد، بما فيها حقيبة الحاسوب المحمول، عنصرًا أساسيًا من متطلبات السفر الجوي الحديث، وليس خدمة إضافية يمكن تسعيرها بشكل تعسفي.
وقد تعزز هذا التوجه القضائي بأحكام وطنية داخل بعض دول الاتحاد الأوروبي، لا سيما في إسبانيا، حيث فرضت السلطات، نهاية سنة 2024، غرامات مالية كبيرة على عدة شركات طيران بسبب ممارسات وُصفت بالتعسفية في فرض رسوم على الأمتعة اليدوية. كما ألزمت محاكم إسبانية شركات طيران بإرجاع رسوم فُرضت على مسافرين، معتبرة أن حقيبة اليد، بما فيها حقيبة الحاسوب، جزء من الحقوق الأساسية للمسافر الجوي.
وفي هذا السياق، يرى مختصون في قانون النقل الجوي أن استمرار الخطوط الجوية الجزائرية في تطبيق هذه السياسة الصارمة، خاصة على الرحلات التي تخضع من حيث حماية المستهلك للقواعد الأوروبية، قد يعرّضها لمخاطر مساءلة قانونية محتملة في حال تقديم شكاوى من مسافرين متضررين. فالإشكال، حسب هؤلاء، لا يتعلق بحق الشركة في تنظيم المقصورة، بل في مدى تناسب الإجراء وفي تصنيف الأغراض الشخصية الأساسية كأمتعة إضافية تخضع لرسوم مرتفعة.
إلى جانب البعد القانوني، يبرز بُعد تجاري لا يقل أهمية. فقد عبّر العديد من المسافرين عن تخوفهم من أن تؤدي هذه السياسة إلى تراجع جاذبية الخطوط الجوية الجزائرية، خاصة في ظل المنافسة الشديدة على الخطوط نفسها من طرف شركات طيران أخرى تعتمد سياسات أكثر مرونة في التعامل مع الأمتعة اليدوية. وأشار بعضهم صراحة إلى أنهم قد يضطرون إلى التحول نحو شركات منافسة إذا استمر التشديد بنفس الوتيرة، معتبرين أن عامل الأمتعة أصبح معيارًا حاسمًا في اختيار شركة الطيران، إلى جانب السعر وجودة الخدمة.
وبينما توصي الخطوط الجوية الجزائرية مسافريها بضرورة التحقق المسبق من عدد وأبعاد أمتعتهم قبل التوجه إلى المطار، يبقى الجدل قائمًا حول التوازن بين مقتضيات السلامة ومتطلبات الخدمة وحقوق المسافر. ففي نظر فئة واسعة من المسافرين والناشطين، لا يكمن الإشكال في وجود قواعد واضحة، بل في صرامة التطبيق وفي فرض رسوم مرتفعة على أغراض تُعد، وفق الاجتهاد القضائي الأوروبي، جزءًا أساسيًا من تجربة السفر الجوي المعاصر.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
العدوان على إيران يفتح أبواب جهنم في الشرق الأوسط
شكّلت الضربات العسكرية التي نفذتها الولايات المتحدة و”اسرائيل” ضد إيران تصعيدً…







