هل تحولت اتفاقية الشراكة إلى أداة ضغط أوروبي؟
أقدمت المفوضية الأوروبية مؤخرًا على تفعيل إجراء تحكيم ضد الجزائر، على خلفية ما اعتبرته خرقًا لاتفاق الشراكة الأورو-متوسطية الموقعة سنة 2005، والتي تنظم العلاقات بين الجزائر ودول الاتحاد الأوروبي، خصوصًا في الجوانب التجارية وحقوق الإنسان. وقد استندت المفوضية في اتهاماتها إلى سلسلة من الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الجزائرية، من بينها نظام الترخيص المسبق للاستيراد، والذي ترى فيه المفوضية شكلًا من أشكال تقييد دخول السلع الأوروبية إلى السوق الجزائرية.
المواد التي ورد ذكرها في هذا السياق تشمل الرخام والسيراميك الإسبانيين، والقمح الفرنسي، والتفاح، وهي سلع ترى المفوضية أن تراجع حجم استيرادها دليل على وجود سياسة حمائية غير معلنة. ووفق الأرقام الأوروبية، فإن حجم الواردات الجزائرية من الاتحاد الأوروبي تراجع بنسبة 31٪ بين 2014 و2024. لكن الغريب أن المفوضية لم تُشر لا من قريب ولا من بعيد إلى الأسباب الحقيقية لهذا التراجع، وفي مقدمتها الانهيار الحاد في مداخيل الجزائر خلال تلك الفترة، نتيجة تراجع أسعار النفط والغاز، إضافة إلى نزيف مالي سببه الاستيراد الوهمي، والفساد، وتحويل الأموال إلى الخارج عبر صفقات مزورة، وصلت حتى إلى استيراد القمامة!
لكن الحقيقة المرة التي يتجاهلها الأوروبيون عمدًا هي أن الاتحاد الأوروبي لا يعنيه حال الاقتصاد الجزائري، ولا مدى معاناة الجزائريين، بقدر ما يهمه حماية صادراته ومصالح شركاته، حتى لو كان ذلك على حساب اقتصاد هش يسعى لاستعادة توازنه. لذلك نفهم حجم الضغط الذي تمارسه بروكسل، وحالة التسرع في تحريك ملف الملحق التجاري، رغم أن الجزائر نفسها كانت قد طالبت سابقًا بمراجعته.
من المهم التذكير هنا أن اتفاق الشراكة لا يُجبر الجزائر على شراء سلع بعينها من أي دولة أوروبية، بل يحترم سيادة كل طرف على قراراته الاقتصادية. الجزائر تشتري ما تحتاجه وفق قانونها الوطني، وبناء على مناقصات دولية تأخذ بعين الاعتبار دفتر الشروط والمعايير الجزائرية، وليس انطلاقًا من رغبة دولة أوروبية في تصريف فائضها من القمح أو التفاح.
وتُضيف المفوضية إلى قائمة “خروقات” الجزائر بعض الإجراءات الأخرى، مثل تسقيف الملكية الأجنبية، وفرض شروط إدارية معقدة، إضافة إلى تطبيق سياسة لتعويض الواردات المحلية، وهي خطوات سيادية هدفها حماية الاقتصاد الوطني وتخفيض الاعتماد على الخارج. والحقيقة أن هذه الإجراءات تدخل ضمن حق الجزائر في تسيير تجارتها الخارجية، بما يخدم مصالحها، وليس مصالح شركائها فقط.
تتحدث المفوضية وكأنها تتعامل مع دولة بلا سيادة. وهذه السلوكيات من بروكسل قد تُجبر الجزائر، في حال استمرار الضغط، على تجميد العمل بالملحق التجاري مؤقتًا، إلى حين مراجعته بشكل متوازن كما سبق أن اتُفق عليه. ولا يُستبعد كذلك أن تُعلّق الجزائر تطبيق الملحق الخاص بحقوق الإنسان، ما دام الاتحاد الأوروبي لم يحرّك ساكنًا تجاه الانتهاكات الإسرائيلية، رغم أن “إسرائيل” تتمتع هي الأخرى باتفاق شراكة مشابه.
وفيما يتعلق بإجراء التحكيم، فقد بدأ بتعيين ممثل من الجانب الأوروبي لتشكيل لجنة تحكيم للنظر في هذه الخلافات، مع منح الجزائر مهلة شهرين لتعيين ممثلها. وبعد ذلك يُعقد مجلس الشراكة لاختيار العضو الثالث في اللجنة، والتي ستُصدر حكمًا ملزمًا خلال ستة أشهر.
بعكس ما يتم تداوله على وسائل التواصل، لا يوجد حاليًا أي قرار أوروبي نهائي ضد الجزائر، كما أن الحديث عن “لوبيات” أو مؤامرات مبالغ فيه. فالحقيقة أن الجزائر نفسها كانت أول من طالب بمراجعة اتفاق الشراكة. كما أن مجلس الشراكة ــ وهو الهيئة الشرعية المخولة لحل الخلافات ــ لم ينعقد منذ أكثر من خمس سنوات، وهو في حد ذاته خرق أوروبي للاتفاق.
الخيارات أمام الجزائر عديدة، خاصة إذا تلكأ أصدقاؤها داخل الاتحاد الأوروبي ــ وهم كُثر ومؤثرون، وفي مقدمتهم إيطاليا ــ في الدفاع عن مبدأ التوازن والاحترام المتبادل. يمكن للجزائر حينها اللجوء إلى تجميد العمل بالملحق التجاري، أو حتى مراجعة الاتفاق برمّته، لا سيما وأن منطقة التجارة الحرة الأورو-متوسطية، التي كان من المفترض أن تشمل جميع دول جنوب المتوسط، لم ترَ النور حتى الآن، ليس بسبب الجزائر، بل نتيجة فشل جماعي في التأسيس المتوازن لهذه المنطقة، بما يشمل الاتحاد الأوروبي نفسه.
الرسالة التي ينبغي إيصالها واضحة، الجزائر ليست دولة خاضعة، ولن تقبل بإملاءات تُصاغ على مقاس شركات أوروبية تبحث عن الربح على حساب اقتصاد الشعوب. من حق الجزائر أن تحمي مصالحها، وأن تُعيد التفاوض على اتفاقات لم تعد متوازنة. وأوروبا، التي تدّعي احترام القانون والسيادة، عليها أن تُثبت ذلك… لا بالكلام، بل بالأفعال.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
“كان 2025”.. فضيحة دولية مكتملة الأركان
ما حدث في المواجهة التي جمعت السنغال بالمنتخب المستضيف في كأس إفريقيا لم يكن مجرد جدل تحكي…







