‫الرئيسية‬ الأولى هل حان وقت تجريم التكفير؟
الأولى - الحدث - الوطني - رأي - مقالات - ‫‫‫‏‫يومين مضت‬

هل حان وقت تجريم التكفير؟

هل حان وقت تجريم التكفير؟

يتجدد في الساحة الوطنية نقاش عميق حول ضرورة إقرار إطار قانوني صريح يحمي المرجعية الدينية الوطنية في الجزائر، في ظل تنامي بعض الخطابات التي تستهدف مكوناتها وتطعن في ثوابتها التاريخية، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول حدود التشريع الديني ودوره في حماية التماسك المجتمعي. ورغم أن البرلمان الجزائري يواصل سنّ القوانين في مختلف المجالات، من القضايا الاجتماعية إلى التنظيم السياسي والإداري، إلا أن عدداً من المتابعين يرون أن المجال الديني لم يحظَ بعدُ بالتأطير التشريعي الكافي، خاصة فيما يتعلق بتجريم التكفير والطعن في المذاهب التي تشكل العمود الفقري للمرجعية الدينية الوطنية.

وتُطرح في هذا السياق مسألة غياب نصوص قانونية واضحة تعاقب على خطاب التكفير أو التحريض الديني، في وقت تُسجَّل فيه، حسب مراقبين، حالات متفرقة من الطعن في مكونات المرجعية الجزائرية، سواء تعلق الأمر بالمذهب المالكي، أو بالموروث الصوفي، أو حتى بالمذاهب الأخرى الحاضرة تاريخياً في البلاد، مثل الإباضية، وهو ما يُنظر إليه على أنه تهديد مباشر لوحدة المجتمع. ويؤكد مهتمون بالشأن الديني أن المرجعية الوطنية لم تتشكل بشكل عفوي، بل هي نتاج قرون من التراكم التاريخي والفكري، حيث أسهمت في بناء نموذج ديني جزائري متوازن، قائم على الوسطية والتسامح ونبذ الغلو، كما لعبت دوراً محورياً في الحفاظ على وحدة المجتمع، خاصة خلال المراحل الحساسة من تاريخ البلاد.

وفي هذا الإطار، يُستحضر الدور التاريخي للزوايا والطرق الصوفية، إلى جانب العلماء والفقهاء الذين ساهموا في ترسيخ هذا النموذج، ليس فقط في المجال الديني، بل أيضاً في مقاومة الاستعمار والحفاظ على الهوية الوطنية، ما يجعل أي مساس بهذه المرجعية مساساً بأحد أعمدة الاستقرار المجتمعي. في المقابل، يحذر مختصون من تنامي بعض التيارات الدينية الوافدة، التي تحمل قراءات متشددة أو إقصائية، لا تنسجم مع الخصوصية الدينية والثقافية للجزائر، وتقوم في كثير من الأحيان على تكفير المخالف والطعن في الموروث المحلي، وهو ما قد يفتح الباب أمام صراعات فكرية ودينية لم يعرفها المجتمع الجزائري في تاريخه الحديث.

ويُطرح هنا دور وزارة الشؤون الدينية كفاعل أساسي في هذا الملف، حيث يرى مراقبون أن المرحلة تستدعي مبادرة تشريعية واضحة، تهدف إلى حماية المرجعية الدينية الوطنية من خلال قوانين تجرّم صراحة خطاب التكفير والتحريض، وتضع حدوداً لأي نشاط ديني يتجاوز الإطار المرجعي المعتمد في البلاد.

كما يشير متابعون إلى أن التجربة الجزائرية خلال العشرية السوداء تُعد درساً بالغ الأهمية، حيث أظهر توظيف الدين في الصراع السياسي والعسكري خطورته على الدولة والمجتمع، وهو ما يعزز الحاجة إلى مقاربة استباقية تمنع تكرار مثل تلك السيناريوهات، من خلال ضبط الخطاب الديني وتأطيره قانونياً. ولا تقتصر هذه المقاربة، بحسب مختصين، على الجانب الردعي فقط، بل تشمل أيضاً تعزيز دور المؤسسات الدينية الرسمية، وتكثيف برامج التوعية، خاصة في أوساط الشباب، الذين يُعتبرون الفئة الأكثر عرضة للتأثر بالخطابات المتطرفة، لاسيما في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت فضاءً مفتوحاً لنشر مختلف الأفكار دون رقابة كافية.

كما يُثار في هذا السياق موضوع تتبع مصادر التحريض، حيث يرى خبراء أن معالجة الظاهرة لا يجب أن تقتصر على معاقبة الأفراد الذين ينفذون أفعالاً متطرفة، بل يجب أن تمتد إلى محاسبة الجهات أو الخطابات التي تدفع نحو هذا الانحراف، سواء كانت عبر منصات رقمية أو منابر غير مؤطرة. ومن جهة أخرى، يُؤكد مختصون في القانون أن الدستور الجزائري يضمن حرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية، غير أن هذه الحرية لا يمكن أن تكون مبرراً لنشر خطاب الكراهية أو التكفير أو التحريض على العنف، ما يفرض ضرورة تحقيق توازن دقيق بين حماية الحريات الفردية وضمان الأمن الفكري للمجتمع.

وفي ظل هذه المعطيات، تتزايد الدعوات إلى فتح نقاش وطني واسع حول سبل حماية المرجعية الدينية، بمشاركة مختلف الفاعلين، من مؤسسات رسمية وعلماء وخبراء، بهدف الوصول إلى مقاربة متكاملة تجمع بين التشريع، والتوعية، والرقابة، بما يضمن الحفاظ على خصوصية النموذج الديني الجزائري. ويبقى التحدي المطروح اليوم هو ترجمة هذه المطالب إلى سياسات عملية وتشريعات فعالة، قادرة على تحصين المجتمع من الانزلاقات الفكرية والدينية، وضمان استمرارية المرجعية الوطنية التي شكلت عبر التاريخ أحد أهم عوامل الاستقرار والوحدة في الجزائر.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

بعد استهداف ديمونة… هل بدأت مرحلة الردع المتبادل بين إيران و”إسرائيل”؟

دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة، وإيران من جهة أخرى، مرحل…