‫الرئيسية‬ الأولى هل يُدان الالتزام بالنفقة في محكمة الدار البيضاء؟
الأولى - أحوال الناس - قضايا ومحاكم - ‫‫‫‏‫12 ساعة مضت‬

هل يُدان الالتزام بالنفقة في محكمة الدار البيضاء؟

هل يُدان الالتزام بالنفقة في محكمة الدار البيضاء؟
في قضايا الأسرة، لا يكون الحكم القضائي مجرد إجراء قانوني معزول، بل قرارًا تتجاوز آثاره أطراف النزاع ليطال الأسرة ككل، والطفل على وجه الخصوص، باعتباره محور الحماية وغاية التشريع. غير أن المتابعة الميدانية لبعض القضايا المعروضة على الجهات الجزائية تُظهر أحيانًا مفارقة مقلقة، أحكام تصدر باسم حماية المحضون، لكنها تنتهي عمليًا إلى نتائج قد تُربك هذه الحماية نفسها.

في هذا الإطار، وقفت يومية “المؤشر”، خلال متابعتها لملفات معروضة على قسم الجنح بمحكمة الدار البيضاء، على قضايا جنحة عدم تسديد النفقة، تطرح تساؤلات جدية حول مدى انسجام بعض الأحكام الابتدائية مع الاجتهاد القضائي المستقر للمحكمة العليا، وحول الأثر الاجتماعي المباشر لهذه التناقضات على مصلحة المحضون.

تُظهر الوقائع التي اطّلعت عليها “المؤشر” أن بعض القضايا تكون بطبيعتها مركّبة، أب بادر إلى تنفيذ التزاماته وفق ما بلّغ به رسميًا، وفّر سكنًا لممارسة الحضانة، وسدّد أجزاء من النفقة الغذائية رغم ظروف صحية واجتماعية صعبة. غير أن هذا الواقع، بدل أن يُفكّك قانونيًا في تسلسله الطبيعي، يتم أحيانًا اختزاله في توصيف واحد، “عدم تسديد”. وهنا تبدأ الإشكالية.

هذا الاختزال يطرح تناقضًا واضحًا مع ما استقر عليه قضاء المحكمة العليا. فقد أكدت الغرفة الجزائية، في اجتهادات متواترة، أن جريمة عدم تسديد النفقة لا تقوم إلا إذا ثبت الامتناع الكلي عن الدفع بعد تبليغ حكم نهائي، وأن أي تنفيذ جزئي، مهما كان، ينفي الركن المادي للجريمة. هذا المبدأ وُضع لضمان احترام الشرعية الجزائية، ومنع الإدانة القائمة على الافتراض بدل التحقق الدقيق من الوقائع.

ومع ذلك، رصدت “المؤشر” أحكامًا لم يُناقَش فيها أثر الدفعات الجزئية، ولم يُحدَّد فيها بدقة ما هو غير مدفوع ولا الفترات محل الامتناع، ما يطرح إشكالًا حقيقيًا في التسبيب. فحين يغيب هذا التفصيل، لا يعود الحكم مرآة للوقائع، بل يصبح قراءة مبتورة لها.

الإشكال يتعمّق أكثر عندما يتعلّق الأمر بالسكن المرتبط بالحضانة. فالمادة 72 من قانون الأسرة جعلت توفير السكن الالتزام الأصلي، وبدل الإيجار التزامًا بديلاً لا يُصار إليه إلا عند تعذر التنفيذ العيني. وقد رسّخت المحكمة العليا هذا المبدأ حين قضت بأن توفير سكن ملائم يسقط بدل الإيجار بقوة القانون، سواء قبلت الحاضنة السكن أو رفضته. غير أن بعض الملفات التي تابعتها “المؤشر” أظهرت استمرار المطالبة ببدل الإيجار رغم وجود تنفيذ عيني سابق، وهو ما يخلق تناقضًا بين النص، والاجتهاد، والتطبيق.

وما يزيد من خطورة هذه الوضعيات، أن هذه القضايا لا تتوقف آثارها عند مجرد توصيف قانوني أو نزاع تنفيذي، بل تنتهي في بعض الحالات إلى إدانات جزائية ثقيلة، تشمل عقوبات سالبة للحرية، وغرامات مالية، وتعويضات مدنية لفائدة الطرف المدني. فالانتقال السريع من نزاع أسري معقّد إلى السجن والغرامة يطرح تساؤلًا مشروعًا حول مدى التناسب بين الوقائع الثابتة والجزاء الموقّع.

إن اللجوء إلى العقوبة السالبة للحرية في قضايا ذات طابع أسري لا يمسّ فقط الشخص المدان، بل ينعكس مباشرة على المحضون نفسه. فالسجن يقطع مصدر الدخل، ويُضعف القدرة على الاستمرار في الإنفاق، ويُفاقم الهشاشة الأسرية، بما يتعارض مع الهدف المعلن لحماية الطفل.

وتزداد مشروعية هذا التساؤل عندما نعلم أن بعض هذه الأحكام، رغم ما يترتب عنها من سجن وغرامة وتعويض، تكون محل استئناف أمام الجهات القضائية العليا، كما تُرفع بشأنها شكاوى مهنية أمام مفتشية وزارة العدل قصد فحص مدى احترام القواعد القانونية والاجتهاد القضائي المستقر. غير أن سلوك هذه المسارات، على أهميته، لا يُلغي الأثر الأولي للإدانة، ولا يبدّد القلق المطروح لدى المتقاضين.

وهنا يبرز السؤال الجوهري الذي يطرح، كيف يمكن لآباء يبدون التزامًا فعليًا بالنفقة أو بتنفيذ التزاماتهم العينية أن يجدوا أنفسهم في وضعيات مماثلة، تُفضي إلى المتابعة الجزائية والعقوبة السالبة للحرية؟ وهل يكفي التعويل على الاستئناف والرقابة الإدارية لتصحيح المسار، أم أن الإشكال أعمق ويتعلّق بكيفية قراءة الوقائع وتكييفها منذ الدرجة الأولى؟

إن هذا التساؤل لا يستهدف التشكيك في القضاء ولا في القضاة، بقدر ما يعبّر عن قلق اجتماعي مشروع لدى شريحة واسعة من الأولياء الذين يسعون إلى الالتزام بواجباتهم، لكنهم يخشون أن يتحوّل أي نزاع تنفيذي أو اختلاف في التقدير إلى مسار عقابي ثقيل، قبل أن تتاح فرصة التصحيح عبر درجات التقاضي.

إن ما وقفت عليه “المؤشر” يدعو إلى نقاش وطني هادئ ومسؤول حول ضرورة توحيد التطبيق القضائي في قضايا النفقة، وتعزيز احترام الاجتهادات الصادرة عن المحكمة العليا، وترسيخ ثقافة التسبيب المفصّل في القضايا الأسرية. فالإصلاح المطلوب اليوم لا يمرّ عبر التشهير أو الشخصنة، بل عبر ضمان انسجام الأحكام مع النص وروحه.

إن حماية مصلحة المحضون لا تتحقق بالعقوبة الآلية، بل بتحقيق التوازن بين الحق والواقع، وبين الردع والإنصاف. وعندما ينسجم الحكم الابتدائي مع الاجتهاد القضائي المستقر، تتحقق العدالة في معناها الحقيقي، عدالة تحمي الطفل، وتُنصف الملتزم.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

درس فنزويلا.. وحكمة الجزائر

يشكل التحول الحاصل في فنزويلا لحظة مفصلية في قراءة طبيعة النظام الدولي المعاصر، ويعيد طرح …