‫الرئيسية‬ الأولى وزارة الشؤون الدينية تتحرك لحماية المرجعية الوطنية من فوضى الفتاوى

وزارة الشؤون الدينية تتحرك لحماية المرجعية الوطنية من فوضى الفتاوى

وزارة الشؤون الدينية تتحرك لحماية المرجعية الوطنية من فوضى الفتاوى
تتحرك وزارة الشؤون الدينية هذه المرة بوضوح وبخطوات حاسمة لضبط المجال الديني وحماية المرجعية الوطنية من موجة الانفلات الفكري والفتاوى المرتجلة التي أصبحت تغزو الفضاء الرقمي والإعلامي خلال السنوات الأخيرة، في مشهد بات يهدد السلم الاجتماعي ووحدة المنظومة الدينية الجزائرية. لقد وصلت الفوضى حدّاً لم يعد فيه ممكناً تجاهل ما يروج تحت غطاء الدعوة والفتوى، من تكفير وتحريض وتجييش للعقل الجماعي وفق خطابات مستوردة لا علاقة لها بجذور الإسلام في الجزائر ولا بمدرسته التاريخية المتوازنة.

ما ظهر من فتاوى عبر منصات التواصل الاجتماعي لم يكن مجرد اجتهاد ديني أو رأي فقهي، بل انزلاقات خطيرة نحو التكفير والوصم والتضليل، بعضها يستعيد خطاب تسعينيات الدم، وأكثرها يتقاطع بوضوح مع الفكر السلفي الوهابي الذي بدأ يتسلل مجدداً إلى الساحة بعد التضييق عليه في منشأه بالخليج، بحثاً عن بيئة بديلة يرسخ فيها حضوره. لقد وجدت هذه النزعات أرضاً خصبة لدى بعض الأئمة والدعاة غير المؤهلين، ممن يكررون ما يسمعونه في مقاطع الوهابية دون علم ولا منهج، ليحولوا المنابر والبرامج الدينية إلى منصات إطلاق أحكام فقهية متشددة لا سند لها من المذهب المالكي ولا من أصول الفقه.

بعض الوجوه الدعوية تجاوزت حدود النقد أو التوجيه إلى مستوى التكفير العلني لرؤساء وأفراد، وذهب بعضها إلى أبعد من ذلك بتحريم قيادة المرأة بمفردها لمسافة طويلة، وتكفير غير المحجبات باعتبارهن خارج «الإسلام»، في حين يُقدّم المتحجبة كأنها وحدها «المسلمة الصحيحة». هذا الطرح ليس فقط باطلاً فقهيّاً، بل يحمل تحريضاً مجتمعياً خطيراً، ويعكس ثقافة عدائية تكرّس الوصاية على المرأة وتُشرعن الإهانة ضدها تحت غطاء الدين. الأخطر من ذلك هو تشهير أحد هؤلاء بطفلة لم تتجاوز الثانية عشرة لأنها وضعت مساحيق تجميل، متناسياً أن ما قام به يُعد اعتداءً أخلاقياً وتحريضاً على قاصر لا تملك مسؤولية اجتماعية أو دينية.

وزارة الشؤون الدينية، حين تتدخل الآن، فإنها لا تفعل ذلك لمنع الرأي أو التضييق، بل لحماية المرجعية الجزائرية المالكية القائمة على الوسطية وإعادة ضبط المجال الديني تحت مظلة المؤسسات لا مواقع التواصل. فالدروس المستقاة اليوم من المنطقة العربية واضحة، الغلو والتشدد لا ينتجان إلا التفكك، والتنظيمات التكفيرية خرجت من رحم فتاوى منفلتة لا رقيب عليها. والمفارقة أن دولاً كانت حاضنة للفكر الوهابي، كالسعودية، بدأت بمراجعات جذرية وصلت إلى إعادة تقييم الحديث، وقصر العقوبات على ما ورد نصاً في القرآن الكريم وحده، وإلغاء أحكام لم تستند سوى لفتاوى دوغمائية زرعت قروناً من الصدام الفقهي.

الجزائر التي عانت من الإرهاب تعرف تماماً أن شرارة الدم تبدأ دائماً بفتوى، وأن التكفير ليس رأياً بل محرّضاً على العنف. لذلك فإن ضبط الخطاب الديني ليس ترفاً بل واجب دولة، خاصة في بلد بتنوع مذهبي وروحي واسع يتوزع بين المالكية والإباضية والمشيخة الصوفية والحنفية وغيرها من مدارس الاعتدال التي طالما عدّتها السلفية «بدعاً» وجعلتها مادة تكفير.

الخطر الأكثر نعومة اليوم، والذي يجب التنبه له قبل استفحاله، هو التيار المدخلي المتخفي بعباءة الطاعة لولي الأمر والهدوء الظاهري، فيما تاريخه في دول عربية أخرى كشف عن مسارات عنيفة وصلت حدّ اغتيال مخالفين دينياً. هذا التيار يتحرك بحذر، يهادن اليوم وينقلب غداً، وتجاهله سيكون خطأ استراتيجياً لا يُغتفر.

إنّ ما تقوم به وزارة الشؤون الدينية ليس مواجهة فكر بفكر فحسب، بل حماية لمجتمع بدأ يرى التسرب العقائدي الوافد يحوّله إلى ساحة صراع مذهبي. والجزائر، بعد أن دفعت الثمن في العشرية السوداء، لن تسمح بتكرار التجربة تحت أي غطاء، لا دعوي ولا إعلامي ولا سياسي. وعلى من يتضررون من قرارات الوزارة أن يدركوا أن الدين ليس مجالاً للفوضى، وأن الفتوى مسؤولية وليست أداة نفوذ أو شهرة أو تأثير رقمي.

في لحظة مفصلية كهذه، تثبت الدولة أن حماية المرجعية ليست خياراً بل أمن قومي، وأن الجزائر، حين يتصل الأمر بوحدتها الروحية وهويتها الدينية، ستضرب بيد من حديد، قبل أن يتحول الانزلاق اللفظي إلى دمار اجتماعي لا رجعة معه.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

تصريح بيراف يقرع ناقوس الخطر.. “نزع الجنسية” سلاح ضد الرأي؟!

أثار تصريح مصطفى بيراف، رئيس رابطة اللجان الأولمبية الإفريقية، موجة واسعة من الجدل بعد حدي…