‫الرئيسية‬ الأولى 61 إنابة بلا جواب.. ماذا يعني غياب الرد الفرنسي؟
الأولى - الحدث - الوطني - رأي - ‫‫‫‏‫ساعة واحدة مضت‬

61 إنابة بلا جواب.. ماذا يعني غياب الرد الفرنسي؟

61 إنابة بلا جواب.. ماذا يعني غياب الرد الفرنسي؟

يفضحُ ملفُّ الأموال المنهوبة ازدواجيةَ الخطاب الفرنسي أكثر مما يكشف فقط تعثرًا في التعاون القضائي. فبينما أعلنت السلطات الجزائرية، في اجتماع مجلس الوزراء المنعقد في 5 أبريل 2026، أن الجزائر ستسترجع أكثر من 110 ملايين دولار عبر مسارات تعاون مع سويسرا، مع توجيه الشكر أيضًا إلى إسبانيا على مساعدتها، أكدت في المقابل أن 61 إنابة قضائية وُجهت إلى فرنسا في الملف نفسه من دون أي استجابة. هذه ليست مجرد ملاحظة إجرائية عابرة، بل واقعة سياسية وقانونية ثقيلة، لأنها تضع باريس أمام تناقض صارخ بين خطابها المعلن عن مكافحة الفساد وحقيقة سلوكها عندما يتعلق الأمر بحقوق الجزائر المالية والقضائية.

وليس من السهل على أي مراقب جاد أن يتعامل مع هذا الصمت الفرنسي بوصفه تفصيلًا تقنيًا بريئًا. فالجزائر لم تتحدث عن طلب واحد ضاع في دهاليز الإدارة، بل عن 61 إنابة قضائية بقيت كلها من دون جواب، في وقت أفضت فيه طلبات موازية مع دول أخرى إلى نتائج ملموسة وقابلة للقياس. المعنى هنا واضح، حين توجد إرادة تعاون، تتحرك الملفات؛ وحين يغيب الرد بالكامل، فإن الأمر يتجاوز البطء المعتاد إلى ما يشبه التعطيل المنهجي. وهذا بالضبط ما يبرر، في القراءة الجزائرية، اعتبار الموقف الفرنسي ليس مجرد تأخر، بل امتناعًا فعليًا عن التعاون مهما حاولت باريس الاحتماء بالصمت.

الأشد إحراجًا لفرنسا أن المقارنة لا تأتي من خطاب سياسي مجرد، بل من وقائع رسمية عرضتها الدولة الجزائرية نفسها، 33 إنابة قضائية إلى سويسرا، قُبل منها 20 ملفًا، وعولجت نهائيًا 4 ملفات، بما سيمكن الجزائر من استرجاع أكثر من 110 ملايين دولار. هنا يسقط العذر الجاهز الذي يلقي كل المسؤولية على “تعقيد الملفات” أو “بطء الإجراءات”، لأن الملف نفسه، بمنطقه القانوني نفسه، وجد من يستجيب له في عواصم أوروبية أخرى. وإذا كانت سويسرا وإسبانيا قد تعاونتا، فما الذي يجعل فرنسا وحدها خارج هذا المسار؟ السؤال محرج، والإجابة الأرجح سياسيًا وقانونيًا هي أن باريس اختارت أن تُبقي هذا الملف أسير حسابات أخرى لا علاقة لها بروح العدالة ولا بمبادئ التعاون الدولي.

ومن هنا تحديدًا تبدأ الفضيحة السياسية. ففرنسا التي لا تتوقف عن تقديم نفسها شريكًا في الحرب الدولية على الفساد، ودولةً حريصة على الشفافية وتعقب الأموال المشبوهة، تبدو في الحالة الجزائرية أقل حماسًا بكثير عندما يصبح المطلوب هو تمكين دولة جنوبية من استعادة أموالها. هذا التناقض ليس جديدًا في العلاقات الدولية، لكنه هنا يأخذ شكلًا فاقعًا، خطاب أخلاقي عالمي في العلن، وسلوك انتقائي على الأرض. والأسوأ أن هذا الانتقاء لا يضرب فقط مصداقية باريس، بل يضرب أيضًا فكرة التعاون القضائي نفسها، لأن الآليات القانونية الدولية تفقد معناها متى تحولت إلى أدوات تُفتح لدول وتُغلق في وجه دول أخرى بحسب المزاج السياسي.

صحيح، من الناحية القانونية الصرفة، أن عبارة “لم يتم الاستجابة” ليست هي نفسها، حرفيًا، قرارًا فرنسيًا مكتوبًا يقول “نرفض”. لكن هذا الفارق الشكلي لا يغيّر كثيرًا في الجوهر حين يكون الصمت شاملًا وممتدًا ويمس كل الطلبات بلا استثناء. فالقانون لا يُختزل في النصوص فقط، بل يُقاس أيضًا بالأثر العملي. وما الأثر هنا؟ الجزائر تراسل، وفرنسا لا تجيب. الجزائر تُفعّل الأدوات القضائية، وفرنسا تُبقي الملف معلقًا. والنتيجة الفعلية واحدة، تعطيل حق الجزائر في ملاحقة أموالها المنهوبة. لهذا، فإن التمسك الفرنسي بالصمت لا يبدو حيادًا، بل شكلًا ناعمًا من الرفض، وربما أكثر راحة لباريس من الرفض الصريح لأنه يترك لها هامش الإنكار السياسي من دون أن يغير شيئًا على مستوى الوقائع.

الأمر لا ينفصل أيضًا عن المناخ المتأزم الذي طبع العلاقات الجزائرية الفرنسية في الفترة الأخيرة. وقد ذهبت تحليلات في الصحافة الجزائرية إلى أن باريس قد تكون سيّست هذا الملف، أي أخضعته لحسابات العلاقات الثنائية بدل أن تتعامل معه كملف قانوني مستقل. قد لا تملك هذه الفرضية، في هذه المرحلة، دليلًا فرنسيًا معلنًا يثبتها بشكل قاطع، لكنها تكتسب وزنًا حين توضع إلى جانب الأرقام الصلبة: تعاون مع سويسرا وإسبانيا، وصمت كامل من فرنسا. وفي السياسة كما في القانون، تتكلم المقارنات أحيانًا أعلى من التصريحات.

من حق الجزائر، بل من واجبها، أن ترفع السقف في هذا الملف. لأن القضية لم تعد تقنية، ولم تعد مجرد شأن بين قضاة وإدارات، بل أصبحت اختبارًا صريحًا لمدى احترام فرنسا لالتزاماتها عندما يكون الطرف المقابل هو الجزائر. وإذا كانت باريس تريد فعلًا أن تُسمع كدولة قانون، فإن أقل ما يُنتظر منها هو رد قانوني واضح: قبول، رفض معلل، طلب استكمال، أي شيء سوى هذا الصمت المريب. أما أن تستمر في التحدث بلغة المبادئ الدولية بينما تغلق الباب أمام 61 إنابة قضائية جزائرية، فذلك لا يرقى إلى مستوى الشراكة، ولا إلى مستوى الاتساق، ولا حتى إلى الحد الأدنى من الاحترام الواجب بين دولتين.

لا يطرح هذا الملف إشكالًا تقنيًا بقدر ما يكشف حدود فعالية التعاون القضائي الدولي عندما يصطدم باعتبارات غير معلنة. وبين طلبات رسمية جزائرية بقيت دون رد، وتجارب تعاون ناجحة مع دول أخرى، تتشكل معادلة غير متوازنة تفرض ضرورة توضيح قانوني صريح من الجانب الفرنسي. فغياب الرد، في هذا السياق، لا يمكن اعتباره وضعًا محايدًا، بل عنصرًا إجرائيًا قائمًا بذاته، يطرح تساؤلات مشروعة حول كيفية تفعيل الالتزامات الدولية في مثل هذه القضايا.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

تشريعيات 2 جويلية: انطلاق المسار الانتخابي بعد استدعاء الهيئة الناخبة

دخلت الجزائر رسميًا في المسار الانتخابي الخاص بتشريعيات 2 جويلية 2026، عقب استدعاء رئيس ال…