‫الرئيسية‬ الأولى التكفير جريمة.. وليس وجهة نظر
الأولى - رأي - مقالات - ‫‫‫‏‫6 دقائق مضت‬

التكفير جريمة.. وليس وجهة نظر

التكفير جريمة وليس وجهة نظر
أعاد الجدل الديني طرح إشكالية التكفير وحدود حرية التعبير الديني، خاصة بعد التطورات التي شهدها العالم الإسلامي، ومن بينها مؤتمر غروزني سنة 2016، الذي ناقشت فيه مرجعيات سنية موقع بعض التيارات الدينية ضمن تمثيل أهل السنة والجماعة، في ظل اتهامات موجهة لبعضها بالمساهمة في نشر خطاب الإقصاء والتشدد.

ورغم هذه النقاشات الدولية، يرى متابعون أن تأثيراتها لم تنعكس بشكل كافٍ على الواقع الجزائري، الذي عانى خلال تسعينيات القرن الماضي من موجة عنف مرتبطة بتوظيف الدين في الصراع، وهي مرحلة لا تزال تداعياتها حاضرة في الذاكرة الجماعية وفي السياسات الأمنية للدولة.

وقد دفعت الجزائر ثمناً باهظاً في مواجهة الإرهاب، ولا تزال مؤسساتها الأمنية، وعلى رأسها الجيش الوطني الشعبي الجزائري، تواصل جهودها لمكافحة بقايا هذه الظاهرة. غير أن النقاش يتجدد اليوم حول أشكال جديدة من الخطاب الديني، يراها البعض امتداداً فكرياً لتيارات سابقة، وإن اتخذت مظاهر مختلفة.

في هذا السياق، يُثار الجدل حول ما يُعرف بالتيار “المدخلي”، الذي يقدمه أنصاره كاتجاه دعوي يركز على طاعة ولي الأمر ونبذ العمل السياسي، بينما يرى منتقدوه أنه يحمل قراءات دينية ضيقة قد تؤدي إلى إقصاء مكونات دينية أخرى داخل المجتمع. ويبرز اسم الشيخ فركوس ضمن هذا النقاش، باعتباره أحد الوجوه المرتبطة بهذا التوجه في الجزائر.

ويطرح منتقدو هذا التيار تساؤلات حول مدى انسجام بعض أطروحاته مع طبيعة النظام الجمهوري، خاصة فيما يتعلق بمفاهيم الطاعة والمرجعية، ومدى تأثير ذلك على التوازن بين الدين ومؤسسات الدولة. كما يثيرون مخاوف من أن يؤدي الخطاب الإقصائي إلى إعادة إنتاج مناخات التوتر الديني التي عرفتها البلاد سابقاً.

في المقابل، يشدد آخرون على ضرورة التمييز بين حرية المعتقد والتعبير من جهة، وبين التحريض على الكراهية أو تكفير فئات من المجتمع من جهة أخرى، معتبرين أن الخط الفاصل بينهما يجب أن يكون واضحاً ومؤطراً قانونياً.

وتبرز في هذا الإطار مسألة المرجعية الدينية الوطنية في الجزائر، التي تقوم تاريخياً على المذهب المالكي والتصوف، والتي لعبت دوراً محورياً في مقاومة الاستعمار والحفاظ على الهوية الدينية للمجتمع. ويستحضر العديد من الباحثين أسماء شخصيات دينية بارزة، مثل الأمير عبد القادر، التي جمعت بين البعد الروحي والنضال الوطني، كجزء من هذا الإرث.

كما تشمل هذه المرجعية مدارس وزوايا دينية ساهمت في نشر التعليم الديني وترسيخ قيم الاعتدال، وهو ما يجعل أي خطاب يستهدفها محل جدل واسع، خاصة إذا اعتُبر مساساً بمكونات الهوية الدينية للمجتمع الجزائري.

من جهة أخرى، يثير بعض المتابعين قضية النقاشات الدائرة حول مذاهب إسلامية أخرى، مثل الإباضية، التي تُعد جزءاً من النسيج الديني في المنطقة منذ قرون، معتبرين أن الطعن في هذه المكونات قد يفتح الباب أمام انقسامات غير مبررة داخل المجتمع.

وفي ظل هذه المعطيات، يُطرح سؤال حول دور المؤسسات الرسمية، وعلى رأسها وزارة الشؤون الدينية والأوقاف الجزائرية، في ضبط الخطاب الديني وحماية المرجعية الوطنية من أي انزلاقات قد تمس تماسك المجتمع. كما يشمل النقاش دور الهيئات الاستشارية، مثل المجلس الإسلامي الأعلى، في توجيه الرأي العام وتقديم مواقف واضحة إزاء القضايا الحساسة.

ويؤكد مختصون أن معالجة هذه الإشكالات لا يمكن أن تتم فقط من خلال المقاربة الأمنية، بل تتطلب أيضاً عملاً فكرياً وتربوياً يعزز ثقافة الاختلاف ويواجه خطاب التكفير بالحجة والمعرفة.

كما يُطرح تساؤل أوسع حول دور الإعلام والمجتمع المدني في مواكبة هذه التحولات، ومدى قدرتهم على الإسهام في نشر خطاب متوازن يرفض التطرف بجميع أشكاله، دون الوقوع في التعميم أو الإقصاء المضاد.

وفي سياق إقليمي ودولي معقد، يحذر مراقبون من أن أي توتر داخلي قد تستغله أطراف خارجية، خاصة في ظل التجارب السابقة التي أظهرت كيف يمكن للنزاعات الداخلية أن تتحول إلى بوابة لتدخلات متعددة.

وفي المحصلة، يبقى التحدي الأساسي هو تحقيق توازن دقيق بين حماية حرية التعبير الديني، ومنع خطاب التكفير الذي قد يشكل تهديداً لوحدة المجتمع، وهو نقاش مفتوح يتطلب مقاربة شاملة تشارك فيها مختلف الفاعلين.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

لجنة استئناف الاتحاد الإفريقي لكرة القدم تفصل في نزاع رياضي بين المغرب والسنغال

كشفت تطورات جديدة في الملف الرياضي الذي يجمع بين الاتحاد السنغالي لكرة القدم ونظيره المغرب…