بيان رئاسي يعرّي صحافة “الفوتوشوب”!
كذّبت المديرية العامة للاتصال برئاسة الجمهورية، مساء الإثنين 17 جوان 2025، خبرًا كاذبًا نُسب إلى رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، ادعى أنه أجرى لقاءً صحفيًا مع صحف فرنسية. هذا الخبر، الذي انتشر كالنار في الهشيم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ثم تلقفته لاحقًا بعض المواقع الإلكترونية التي تدّعي الاحتراف، تبيّن أنه لا يمت للواقع بصلة، بل هو “محض افتراء” – وفق بيان الرئاسة – تم صناعته عبر صور مفبركة باستخدام تقنية “الفوتوشوب”، ونشره عبر حسابات عدائية مجهولة الهوية.
فضح هذا النفي الرسمي، الذي جاء حازمًا في لغته وواضحًا في مقاصده، ليس فقط زيف الخبر المروّج، بل عرّى كذلك واقعًا مؤسفًا تعانيه بعض وسائل الإعلام الجزائرية والمحيطة بها، حين انزلقت إلى إعادة نشر إشاعة دون تمحيص أو تحقق، مستسلمة كليًا لإغراء “الترند” وسرعة التفاعل، على حساب القيم الجوهرية للعمل الصحفي المهني.
وكانت المديرية العامة للاتصال قد ركّزت في بيانها على تفنيد المزاعم، والتنديد بـ”الأساليب الوقحة وغير الأخلاقية” التي أتاحتها التكنولوجيات الرقمية لأطراف “تمتهن البهتان من وراء الشاشات”، فإن تداعيات هذه الحادثة تتجاوز حدود التكذيب، لتفتح مجددًا ملفًا مؤلمًا وحقيقيًا، تراجع منسوب المهنية لدى عدد من المنصات التي تُحسب على الجسم الإعلامي. فهل يُعقل أن يتحوّل منشور مجهول المصدر، مُدعّم بصورة تم تعديلها رقميًا، إلى مادة إخبارية رئيسية لدى منابر تدّعي الاستقلالية والرصانة؟ وهل أصبح الفيسبوك وتويتر وتيليغرام مصادر معلومات معتمدة لدى صحافة لم تُكلّف نفسها حتى الاتصال بالجهة الرسمية المعنية، أو انتظار توضيح من رئاسة الجمهورية؟
ما حدث يعكس واقعًا أكثر خطورة مما يبدو في الوهلة الأولى. فنحن لا نتحدث هنا عن خطأ فردي معزول، بل عن ظاهرة تنسحب على جزء معتبر من المشهد الإعلامي، الذي بات في حالات كثيرة تابعًا للزخم الرقمي، فاقدًا لبوصلة التحقق، مهمّشًا لوظيفته الأصلية المتمثلة في غربلة المعلومات، وتقديم محتوى رصين يخاطب عقل القارئ قبل عواطفه. لقد تحوّلت بعض المنصات – ويا للأسف – إلى مجرّد غرف صدى لما يجري على مواقع التواصل، تنقل ما يروّج هناك دون حتى تغيير العنوان، وكأنها فقدت دورها التحريري والسيادي في صياغة المعلومة والتحكم في دقتها ومصداقيتها. إنها صحافة تُشبه أكثر ما يُسمى بـ”النسخ الإعلامي”، الذي لا ينتج معرفة، بل يُكرّر ما يُنشر دون وعي أو مسؤولية.
وإذا كان البيان الرئاسي قد كشف الوجه الحقيقي لعملية فبركة تُدار عبر أدوات رقمية خفية، فإن تفاعل بعض المواقع الإلكترونية مع تلك الفبركة، دون تمحيص أو تروٍّ، يُعيد طرح تساؤل محوري، كيف يُمكن لمنظومة إعلامية تُغذّي نفسها من شائعات مواقع التواصل، أن تؤدي دورها في توعية الرأي العام، أو الدفاع عن السيادة، أو حتى إنتاج نقاش عمومي ناضج؟
الخلل لم يَعُد متعلقًا فقط بغياب المهنية، بل أصبح جزءًا من أزمة ثقة بين المواطن والإعلام. فحين يجد المواطن أن وسيلة إعلامية محسوبة على “الصحافة الجادة” تعيد نشر خبر ملفّق، دون أدنى تحقق، فهو يتساءل، كيف نصدّقكم حين تتحدثون عن الفساد؟ كيف نثق بتقاريركم عندما تكونون أنتم ضحية أولى للتضليل؟ إن الجزائر، التي تواجه منذ سنوات موجات متلاحقة من الحروب الهجينة، لم تعد تُستهدف فقط بالضربات الاقتصادية أو الأمنية، بل أيضًا عبر التضليل الإعلامي والاختراقات السيبرانية وصناعة الأكاذيب الرقمية. وفي ظل هذا المشهد، لا يمكن لأي منظومة إعلامية أن تبقى فاعلة إذا كانت أدواتها هشّة، ومهارات صحفييها غير محدثة، وثقافتها التحريرية قائمة على السبق لا على الدقة.
ولأن التضليل لم يعد يُروّج عبر جيوش تقليدية بل عبر جيوش إلكترونية، فإن دور الصحفي بات يتجاوز نقل المعلومة إلى تصفيتها، وتحليلها، وتقديمها وفقًا لمعايير دقيقة تحترم عقل المواطن ولا تسقط في فخ الانفعالات الجماهيرية.
الجزائر تحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى إعلام وطني مسؤول، لا ينتظر بيان تكذيب حتى يتحرك، بل يمتلك أدواته الخاصة للتحقق من الأخبار، ويُربي جمهوره على التريث والتمحيص، بدل تركه عرضةً للصور المفبركة والعناوين الملغومة. ما جرى مع “حوار الرئيس المفبرك” يجب ألا يُختزل في كونه إشاعة تم نفيها؛ بل ينبغي أن يكون ناقوس خطر حقيقي يُقرع في قاعات التحرير، وفي كليات الصحافة، وفي الندوات المهنية. إنه درس مكلف، لكنه ضروري، يُظهر بما لا يدع مجالًا للشك أن مستقبل المهنة ليس في تقليد ما ينشر في “السوشيال ميديا”، بل في استعادة الصحافة لدورها التاريخي، المصداقية أولًا، ثم كل شيء بعد ذلك.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.







