‫الرئيسية‬ الأولى البابا ليون الرابع عشر في الجزائر… زيارة دينية بثقل تاريخي
الأولى - الافتتاحية - رأي - ‫‫‫‏‫9 دقائق مضت‬

البابا ليون الرابع عشر في الجزائر… زيارة دينية بثقل تاريخي

البابا ليون الرابع عشر في الجزائر… زيارة دينية بثقل تاريخي
تمثل زيارة البابا ليون الرابع عشر إلى الجزائر سابقة في العلاقات بين الدولة الجزائرية والكرسي الرسولي، وهي واقعة تحمل دلالة تاريخية تتجاوز بعدها الديني. الزيارة تُدرج الجزائر ضمن سياقها الفعلي، باعتبارها دولة ذات امتداد روحي وثقافي موثق في التاريخ الإنساني، لا كيانًا تشكّل في مرحلة متأخرة ولا نتيجة ظرف سياسي عابر.

الجزائر ليست دولة نشأت في القرن التاسع عشر، ولا فضاءً اكتمل بناؤه مع الاستعمار. هذا معطى تاريخي ثابت. الجغرافيا الجزائرية شكّلت، عبر فترات طويلة، مركزًا لحضارات متعاقبة أسهمت في تشكيل الفضاءين المتوسطي والإفريقي. الممالك النوميدية مثّلت كيانات سياسية قائمة، والمدن الرومانية مثل تيمقاد وجميلة وشرشال كانت مراكز إدارة وعمران ومعرفة. لاحقًا، كان شمال إفريقيا أحد الفضاءات المؤسسة للفكر المسيحي المبكر، قبل اندماجه في المجال الإسلامي، حيث لعبت مدن الجزائر دورًا علميًا وفقهيًا وفلسفيًا ضمن شبكات معرفية عابرة للأقاليم.

الإرث المسيحي في شمال إفريقيا، الذي تُعد الجزائر جزءًا محوريًا منه، موثق في تاريخ الفكر الديني العالمي. شخصية أوغسطين، أحد المؤسسين الرئيسيين للفكر الفلسفي واللاهوتي الغربي، تنتمي جغرافيًا وتاريخيًا إلى هذه الأرض، وتُدرَّس أعماله إلى اليوم في الجامعات الغربية. في العصور الإسلامية، أسهم علماء وفقهاء من مدن الجزائر في إنتاج المعرفة ونقلها، وهو ما تؤكده كتب التراجم والمصادر التاريخية.

في هذا السياق، تأتي زيارة البابا لتؤكد إدراج الجزائر ضمن هذا الامتداد التاريخي، لا بوصفها موضوعًا للذاكرة، بل كأحد روافدها. الزيارة لا تُنشئ علاقة جديدة بقدر ما تُبرز علاقة قائمة مع تاريخ روحي وثقافي سابق على السرديات السياسية المعاصرة. هذا المعطى يفكك الخطابات التي تحاول اختزال هوية الجزائر في مرحلة واحدة، أو التعامل معها كفضاء بلا جذور تاريخية.

الواقعة تسقط كذلك السرديات التي تقوم على إعادة توظيف الموروث الثقافي والتاريخي لشمال إفريقيا ضمن روايات انتقائية. فالجزائر تُستحضَر هنا باسمها، وبجغرافيتها، وبإرثها التاريخي، لا باعتبارها امتدادًا لغيرها ولا عنصرًا تابعًا في تاريخ الآخرين. هذا الحضور المباشر يتعارض مع محاولات إعادة تسويق الذاكرة أو احتكارها سياسيًا.

ولا يمكن فصل هذه السرديات عن نشاط تيارات فكرية متطرفة في فرنسا جعلت من تشويه تاريخ شعوب الجنوب جزءًا من خطابها، مستندة إلى إرث استعماري غير مفكك، وإلى مقاربات إقصائية تُقدَّم أحيانًا في قالب ثقافي. هذه التيارات تتعامل مع التاريخ كأداة لإعادة إنتاج تفوق رمزي، وتلتقي عمليًا مع أي خطاب يسعى إلى نزع العمق التاريخي عن الجزائر أو إعادة تعريفها وفق معايير خارجية.

هذا التقاطع لا يقتصر على الخارج. في الفضاء الثقافي الفرنكوفوني، برزت كتابات لعدد من الأسماء، من بينها بوعلام صنصال وكمال داود، تُقدّم قراءات تُقلّل من الامتداد التاريخي للجزائر أو تعيد تفسير هويتها خارج سياقها التاريخي. استحضار هذه الأسماء لا يندرج ضمن تقييم أدبي، بل في إطار توصيف دور الخطاب الثقافي حين يتحول إلى أداة لإعادة إنتاج سرديات نزع العمق.

لا تتطلب هذه الواقعة ردودًا سياسية أو سجالات خطابية. زيارة البابا إلى الجزائر تضع معطى تاريخيًا واضحًا في الواجهة، الجزائر ليست موضوعًا للسرديات، بل فاعلًا تاريخيًا أسهم، عبر قرون، في تشكيل الفكر الإنساني في مجالات الدين والفلسفة والمعرفة. هذا المعطى تدعمه الوقائع التاريخية، ولا يتوقف على التأويلات أو الخطابات.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

سعيود يعرض مشروع القانون العضوي المتعلق بالأحزاب السياسية أمام نواب البرلمان

عقد المجلس الشعبي الوطني، اليوم الثلاثاء 24 فيفري 2026، جلسة عامة خُصصت لتقديم ومناقشة مشر…