‫الرئيسية‬ الأولى الجزائر تضبط معادلة «الأوراق» في أزمة “الحراقة”مع باريس؟!
الأولى - رأي - مقالات - ‫‫‫‏‫5 دقائق مضت‬

الجزائر تضبط معادلة «الأوراق» في أزمة “الحراقة”مع باريس؟!

الجزائر تضبط معادلة «الأوراق» في أزمة "الحراقة"مع باريس؟!

جاء إعلان رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، يوم الأحد 11 جانفي 2026، عن إجراء يخص “تسوية وضعية” جزائريين يوجدون في الخارج في أوضاع “هشة” و”غير نظامية”، كخطوة مفاجئة في توقيتها، لكنها شديدة الدلالة في سياق أزمة سياسية وقنصلية ممتدة بين الجزائر وباريس حول ملف أوامر مغادرة التراب الفرنسي (OQTF) وإعادة القبول. فالقرار، كما ورد في الصياغة الرسمية، لا يُقدَّم بوصفه تنازلاً في ملف الترحيل، بل يُقدَّم كاستعادة للتحكم السيادي في مسار الهجرة غير النظامية، عبر تحويله من ورقة ضغط خارجية إلى سياسة داخلية تُدار بشروط الدولة الجزائرية وأولوياتها.

البيان الرسمي الذي أعقب مجلس الوزراء لم يتحدث عن “ترحيل” ولا عن “امتثال” لطلبات دول الإقامة، بل ركّز على توصيف إنساني–أمني لحالة هؤلاء الشباب، فقر شديد، عزلة اجتماعية، أعمال مهينة، ثم تحذير صريح من خطر استغلالهم من طرف شبكات إجرامية أو أطراف قد توظف هشاشتهم للإضرار ببلدهم. هذه المفردات ليست اعتباطية، بل تعكس مقاربة جزائرية تقليدية تعتبر ملف الهجرة غير النظامية امتدادًا لمسألة اجتماعية وأمنية داخلية، لا مجرد بند إداري يُدار من الخارج.

الحديث عن “تسوية” يستدعي تفكيك المصطلح بدقة. فالتسوية، وفق المعطيات المتوفرة، لا تعني إدماج هؤلاء المهاجرين في بلدان الإقامة، بل تعني تسوية وضعيتهم القنصلية والإدارية تمهيدًا لعودة منظّمة إلى أرض الوطن. وبذلك، يتضح أن الجزائر لا تعرض “حلًا أوروبيًا” لمعضلة الهجرة، بل تعرض مسارًا سياديًا للعودة، تُمسك هي بمفاتيحه، من حيث التوقيت، والفئات المعنية، والشروط المصاحبة.

هذه الشروط، التي أُعلن عن بعضها، وعلى رأسها الالتزام بعدم تكرار الهجرة غير النظامية، مع وجود فئات مستثناة من الإجراء، تكشف أن المبادرة لا تقوم على منطق العفو المطلق، بل على منطق الضبط. فالدولة تحاول تحقيق توازن دقيق: احتواء اجتماعي دون تشجيع ضمني على “الحرقة”، ورسالة تضامن دون فتح باب للهجرة الدائرية غير القانونية.

في باريس، لم يتأخر ربط القرار مباشرة بملف OQTF، باعتباره العقدة الأساسية في العلاقات الثنائية خلال الأشهر الماضية. فالأزمة، في جوهرها، لا تتعلق بقرارات الترحيل نفسها، بل بقدرتها على التنفيذ، وهي قدرة تظل مرتبطة بشكل حاسم بإصدار الوثائق القنصلية من طرف الدولة المعنية. ومن هذا المنظور، رأت دوائر سياسية وإعلامية فرنسية في المبادرة الجزائرية إمكانية لـ“الخروج من المأزق”، أو على الأقل لتخفيف الضغط السياسي الداخلي المرتبط بعدم تنفيذ عدد كبير من أوامر المغادرة.

غير أن هذا التأويل الفرنسي يصطدم بحدٍّ واضح رسمته الجزائر في خطابها، المبادرة ليست استجابة مباشرة لمطالب باريس، بل خطوة مستقلة تُقدَّم للرأي العام الوطني أولًا. فالجزائر، التي رفضت مرارًا تحويل ملف الهجرة إلى أداة ابتزاز سياسي، تسعى من خلال هذه الخطوة إلى إعادة رسم قواعد التعامل، بحيث لا تبدو في موقع الطرف الذي يرضخ للضغط، ولا في موقع الطرف الذي يتجاهل مصير مواطنيه في الخارج.

ولا يمكن فصل هذه المبادرة عن السياق العام للعلاقات الجزائرية–الفرنسية، التي شهدت خلال 2024 و2025 توترات متعددة، شملت ملفات الذاكرة، والتأشيرات، والتعاون القنصلي، وصولًا إلى خطاب سياسي فرنسي داخلي شديد اللهجة تجاه الجزائر، خاصة من أطراف يمينية جعلت من ملف الهجرة مادة انتخابية بامتياز. في هذا السياق، يصبح أي تحرك جزائري في هذا الملف محمّلًا بأبعاد تتجاوز مضمونه الإداري.

وعند قراءة القرار في مستوياته الثلاثة، يتضح أنه يخدم الجزائر على أكثر من جبهة. اجتماعيًا، يوفر مسار عودة أقل كلفة إنسانية لشباب يعيشون في أوضاع هشّة. أمنيًا، يقلّص خطر انزلاق هذه الفئة نحو الجريمة أو الاستغلال. ودبلوماسيًا، يعيد للجزائر موقع المبادرة، بدل البقاء في موقع رد الفعل أمام الضغوط الفرنسية المرتبطة بتنفيذ OQTF.

السيناريو الأكثر ترجيحًا هو أن تفتح هذه الخطوة قناة تقنية جديدة، تسمح بمعالجة جزء من الحالات عبر “العودة المؤطّرة” بدل “الإبعاد القسري”، وهو ما قد يخفف من حدة التوتر دون إعلان انفراج سياسي صريح. لكن نجاح هذا السيناريو يبقى مرهونًا بتفاصيل لم تُعلن بعد، حجم الفئات المعنية، طبيعة الاستثناءات، وآليات التنسيق – أو عدمه – مع دول الإقامة.

في المقابل، يبقى احتمال التصادم قائمًا إذا ما حاولت باريس توظيف المبادرة باعتبارها تنازلًا جزائريًا، وهو ما قد يدفع الجزائر إلى تضييق نطاقها حفاظًا على توازنها الداخلي. وفي علاقات مثقلة بالتاريخ والحساسية مثل العلاقات الجزائرية–الفرنسية، كثيرًا ما تكون طريقة تأويل الخطوة أهم من الخطوة نفسها.

يمكن قراءة المبادرة الجزائرية باعتبارها محاولة واعية لإعادة سحب ملف الهجرة غير النظامية من منطق الاستقطاب الانتخابي في فرنسا، خصوصًا ذلك الذي يغذيه الخطاب اليميني المتطرف. فبدل ترك هذا الملف رهينة الشعارات الداخلية وأرقام الـOQTF المتداولة في الحملات السياسية، أعادت الجزائر تأطيره كمسألة سيادية تُدار وفق أولويات اجتماعية وأمنية وطنية. هذه المقاربة لا تلغي إمكانية توظيف الملف سياسيًا داخل الساحة الفرنسية، لكنها تُقلّص هامش هذا التوظيف وتُضعف سرديته الأكثر حدّة، عبر كسر صورة “الانسداد الكامل” التي طالما استُعملت انتخابيًا. وبهذا المعنى، لا تكون الجزائر قد أنهت الجدل، لكنها نجحت في تغيير قواعده، ونقلت مركز ثقله من المزايدة السياسية إلى إدارة واقعية أكثر تعقيدًا وحذرًا، وهو تحوّل قد تكون له تداعيات أبعد من ملف الهجرة نفسه على طبيعة العلاقة الثنائية في المرحلة المقبلة.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

كان 2025: انتقادات للتحكيم بعد إقصاء الجزائر أمام نيجيريا

 لم تقتصر خيبة أمل المنتخب الوطني الجزائري عقب خروجه من الدور ربع النهائي لكأس إفريقيا للأ…