تصريح بيراف يقرع ناقوس الخطر.. “نزع الجنسية” سلاح ضد الرأي؟!
أثار تصريح مصطفى بيراف، رئيس رابطة اللجان الأولمبية الإفريقية، موجة واسعة من الجدل بعد حديثه، خلال لقاء خاص مع قناة “الحياة” بُث مساء الأحد على الساعة الثامنة، عن إمكانية نزع الجنسية الجزائرية من المنتقدين لقضية الملاكمة الجزائرية إيمان خليف. وجاء هذا التصريح ضمن حوار تناول فيه بيراف عدة ملفات، من بينها العقوبات التي مست المنتخب، وتطورات ملف إيمان خليف، إضافة إلى حديثه عن لقاء وصفه بـ“الحاسم” مع رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو، وقضايا رياضية وتنظيمية أخرى.
غير أن هذا التصريح، من حيث التوقيت والمضمون، تجاوز إطار النقاش الرياضي، ليدخل مباشرة في مجال بالغ الحساسية سياسيًا وقانونيًا. فهو يُعد أول توظيف علني وخطير لقانون نزع الجنسية الذي صودق عليه مؤخرًا، من طرف شخصية رياضية جزائرية تشغل منصبًا قارّيًا مؤثرًا، ما يفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول طبيعة الخطاب السائد، وحدود المسؤولية، ومآلات التشريع عندما يُستحضر في سياق انفعالي أو خارج إطاره القانوني الدقيق.
التحذيرات التي أطلقتها، في وقت سابق، جهات جزائرية مستقلة وأصوات متابعة للشأن العام، لم تكن موجهة أساسًا إلى نص قانون نزع الجنسية في حد ذاته، بقدر ما كانت موجهة إلى كيفية تطبيقه، وإلى الجهات التي قد تُمنح سلطة تأويله واستعماله. واليوم، يبدو أن تلك المخاوف بدأت تجد أول تجسيد عملي لها، ليس عبر قرار رسمي أو إجراء قضائي، بل عبر خطاب إعلامي صادر عن مسؤول جزائري بارز.
مصطفى بيراف ليس شخصية هامشية في المشهد الرياضي أو السياسي. فقد شغل سابقًا عدة مناصب، من بينها نائب في البرلمان الجزائري عن حزب التجمع الوطني الديمقراطي، ورئيس اللجنة الأولمبية الجزائرية، قبل أن يتولى رئاسة رابطة اللجان الأولمبية الإفريقية. كما أن مسيرته لم تكن خالية من الجدل والمتابعات القضائية، حيث سبق أن صدر في حقه حكم قضائي بالسجن. هذه الخلفية تجعل من تصريحاته مسألة تتجاوز الرأي الشخصي، لتأخذ بعدًا عامًا، يحمل تبعات سياسية وقانونية وإعلامية.
الخطورة في تصريح بيراف لا تكمن فقط في الدعوة إلى نزع الجنسية، بل في المنطق الذي يستند إليه. فالدعوة إلى تجريد مواطنين من جنسيتهم بسبب انتقادهم رياضية جزائرية، مهما كانت حساسية القضية، تعني عمليًا تحويل الرأي المخالف إلى تهمة، والاختلاف إلى خيانة، والنقاش العام إلى خطر يُهدد “الوطن”. وهو منطق لا يستقيم لا قانونيًا ولا دستوريًا، لأن الجنسية رابطة قانونية وسيادية، لا أداة للضغط أو العقاب الرمزي.
والأكثر إثارة للتساؤل أن القضية التي أثارت هذا الجدل لم تكن محل انتقاد داخلي فقط، بل تناولها بالنقد مسؤولون دوليون كبار، من بينهم الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين. فهل يطالب مصطفى بيراف، بمنطقه هذا، بنزع الجنسية عن هؤلاء أيضًا؟ أم أن المعيار يقتصر فقط على الجزائريين، بما يحول المواطنة إلى وضع هش، قابل للسحب عند أول اختلاف في الرأي؟
إن هذا التصريح غير المسؤول، والخطير في دلالاته، يستوجب موقفًا واضحًا من السلطات المعنية، لأن السكوت عنه قد يُفهم على أنه تساهل مع خطاب يُجرّم الرأي، ويمنح شرعية أخلاقية لاستعمال قانون بالغ الحساسية خارج سياقه الدستوري. فليس من حق أي شخص، مهما كان منصبه الرياضي أو السياسي، أن يُصنّف المواطنين إلى وطنيين وخونة بناءً على مواقفهم أو آرائهم.
كما أن هذا النوع من التصريحات يُشكّل مادة جاهزة للاستغلال الخارجي، حيث يمكن تقديمه كدليل على أن الدولة الجزائرية تتجه نحو معاقبة مواطنيها بنزع جنسيتهم لمجرد التعبير عن رأي مخالف. وهي صورة خطيرة ومجحفة في حق الجزائر، لا تخدم أي مصلحة وطنية، بل تسيء إلى صورتها الدولية، وتضعف خطابها الرسمي حول احترام الحقوق والحريات.
المفارقة أن مصطفى بيراف يقدّم نفسه، في كل مرة، باعتباره مدافعًا عن الجزائر في المحافل الدولية، ويتحدث عن مساعٍ للقاء رئيس الفيفا في إيطاليا مطلع الشهر المقبل من أجل “إقناعه” بملفات لم تُعرض تفاصيلها على الرأي العام. غير أن مثل هذه التصريحات الانفعالية لا تُقوّي موقف الجزائر، بل تُربك خطابها، وتُدخلها في معارك جانبية لا طائل منها.
وإذا كان الهدف من تشريع قانون نزع الجنسية هو تأطير حالات استثنائية وخطيرة تمس أمن الدولة ومصالحها العليا، فإن تحويل هذا القانون إلى أداة للتهديد الإعلامي أو إسكات الأصوات المنتقدة يُفرغه من مضمونه، ويحوّله إلى خطر حقيقي على الحقوق الأساسية. والأسوأ من ذلك أن هذا المنطق قد يتوسع مستقبلًا، ليشمل خصومات شخصية أو نزاعات قائمة، كما توحي بذلك سوابق الخلافات التي جمعت بيراف بعدد من الإطارات والمسؤولين.
إن أخطر ما في القوانين الحساسة ليس لحظة تشريعها، بل مرحلة تطبيقها وتأويلها. فالقانون قد يبقى ساريًا لعقود طويلة، وقد يقع يومًا ما بين أيدٍ غير آمنة، إما بسبب الجهل، أو التعصب، أو سوء التقدير. وما نشهده اليوم، بعد أيام قليلة فقط من المصادقة على قانون نزع الجنسية، يُعد مثالًا حيًا على هذا الخطر.
لقد انتقل النقاش، في ظرف وجيز، من الحديث عن قانون يُفترض أن يُعالج معضلات حقيقية تواجه الدولة، إلى خطاب انفعالي، مبتذل في منطقه، وخطير في نتائجه، يطالب بعقوبة قصوى لمجرد الاختلاف في الرأي. وهو مسار يستوجب وقفة جادة، قبل أن تتحول القوانين من أدوات لتنظيم الدولة وحماية سيادتها، إلى وسائل لترهيب المجتمع وتقويض الثقة.
لا يتعلق هذا النقاش بشخص مصطفى بيراف وحده، بل بمنطق كامل يجب التنبه إليه والتصدي له، حمايةً للدولة، وللمجتمع، وللقانون نفسه. فالدفاع الحقيقي عن الجزائر لا يكون بتجريم الرأي، بل بصون الدستور، واحترام المواطنة، وضمان أن تبقى القوانين في خدمة الدولة، لا سلاحًا ضد مواطنيها.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
“فرانس 2” تشرعن الإساءة لرئيس الجزائر باسم الصحافة!
بثّت قناة تلفزيونية عمومية فرنسية، في سهرة الخميس، روبورتاجًا حول الجزائر. ولم يكن أحد في …






