‫الرئيسية‬ الأولى تعثر رقمنة الإدارة وتجاوزات مالية: مجلس المحاسبة يحيل تسعة تقارير على العدالة
الأولى - الحدث - الوطني - ‫‫‫‏‫24 ساعة مضت‬

تعثر رقمنة الإدارة وتجاوزات مالية: مجلس المحاسبة يحيل تسعة تقارير على العدالة

تعثر رقمنة الإدارة وتجاوزات مالية: مجلس المحاسبة يحيل تسعة تقارير على العدالة
كشف التقرير السنوي لمجلس المحاسبة لسنة 2025، عن جملة من الاختلالات التي مست تسيير عدد من البرامج العمومية، خاصة تلك المرتبطة برقمنة الإدارة العمومية ومشاريع تكنولوجيات الإعلام والاتصال، في سياق رقابي يندرج ضمن الصلاحيات الدستورية المخولة للمجلس بموجب المادة 199 من دستور الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية لسنة 2020، ووفق الإطار القانوني المحدد بالأمر رقم 20-95 المؤرخ في 17 يوليو 1995، المعدل والمتمم. ويُعد هذا التقرير وثيقة مرجعية في تقييم كيفية استعمال المال العام، بالنظر إلى اعتماده على عمليات رقابة ميدانية وتحليل معمق لوثائق التسيير والنفقات، مع التمييز بين نقائص ذات طابع إداري وأخرى اعتُبرت وقائع قابلة للوصف الجزائي، استوجبت إخطار الجهات القضائية المختصة.

وأبرز التقرير أن برامج رقمنة الإدارة العمومية، التي يفترض أن تشكل رافعة لتحسين الأداء الإداري وجودة الخدمة العمومية، عرفت في عدة حالات نقائص في التخطيط والتنفيذ والمتابعة. فقد لاحظ مجلس المحاسبة أن إطلاق العديد من المشاريع الرقمية لم يكن دائمًا مسبوقًا بدراسات دقيقة لتحديد الحاجيات الفعلية للإدارات أو المستفيدين، ما انعكس على مستوى استغلال هذه المشاريع بعد إنجازها. وأشار التقرير إلى أن غياب رؤية استراتيجية موحدة للتحول الرقمي أدى إلى تشتت المبادرات وتعدد الأنظمة والمنصات دون تكامل فعال بينها، وهو ما حدّ من الأثر العملي لهذه المشاريع مقارنة بحجم الموارد المالية التي سُخرت لها.

وفي هذا الإطار، تناول التقرير بالتحليل وضعية إنجاز الحظائر التكنولوجية، باعتبارها من بين الأدوات التي راهنت عليها السلطات العمومية لدعم الابتكار وتطوير منظومة تكنولوجيات الإعلام والاتصال. وقد سجل مجلس المحاسبة أن بعض هذه الحظائر، رغم استكمال أشغال الإنجاز أو تخصيص اعتمادات مالية معتبرة لها، لم تبلغ مستوى الاستغلال المنتظر، سواء من حيث احتضان المؤسسات الناشئة أو من حيث المساهمة الفعلية في دعم البحث والتطوير. وأوضح التقرير أن تأخر الإنجاز، وتعدد الملاحق التعاقدية، وارتفاع التكاليف مقارنة بالآجال المحددة، كلها عوامل ساهمت في تقليص مردودية هذه الاستثمارات العمومية.

كما أشار التقرير إلى أن تنفيذ مشاريع رقمنة الإدارة العمومية، التي أُسند بعضها إلى هيئات عمومية بصفتها صاحبة مشروع منتدب، عرف بدوره اختلالات تتعلق بضعف التحكم في مراحل الإنجاز. وسجل مجلس المحاسبة حالات تم فيها تحرير تمويلات لمشاريع رقمية دون أن يقابلها تقدم فعلي في التنفيذ، أو بقيت في مراحل أولية رغم مرور آجال معتبرة. وأوضح التقرير أن هذا الوضع يرتبط، من جهة، بضعف تحديد الاحتياجات التقنية من طرف بعض الإدارات، ومن جهة أخرى، بغياب آليات فعالة لمتابعة تنفيذ المشاريع وتقييم مدى احترام الالتزامات التعاقدية.

وعلى المستوى المالي، أبرز التقرير أن نفقات مرتبطة بمشاريع الرقمنة وتكنولوجيات الإعلام والاتصال أُدرجت ونُفذت في عدة حالات كنفقات تسيير عادية، دون إخضاعها لتقييم منهجي من حيث النجاعة والمردودية. ولاحظ مجلس المحاسبة صعوبة في تتبع بعض النفقات من مرحلة الالتزام إلى مرحلة الاستغلال الفعلي، مع غياب تقارير تقييم بعدية تسمح بتحديد ما إذا كانت الأهداف المسطرة قد تحققت فعليًا. واعتبر التقرير أن هذا النقص في التقييم يشكل عائقًا أمام تعزيز الشفافية وحسن استعمال المال العام، ويحدّ من إمكانية تصحيح الاختلالات في الوقت المناسب.

وفي سياق متصل، بيّن التقرير أن بعض المعاينات المسجلة خلال عمليات الرقابة تجاوزت إطار النقائص الإدارية والتسييرية، لترقى إلى مستوى وقائع قابلة للوصف الجزائي. وفي هذا الشأن، كشف مجلس المحاسبة أنه قام بإعداد تسعة (09) تقارير تفصيلية تتضمن وقائع اعتبرها قابلة للوصف الجزائي، تم توجيهها إلى النواب العامين المختصين إقليميًا، قصد تمكين الجهات القضائية من ممارسة صلاحياتها في التحقيق والمتابعة عند الاقتضاء. وأوضح التقرير أن هذه الإحالات تندرج في إطار الصلاحيات القانونية المخولة للمجلس، دون أن تشكل حكمًا مسبقًا على الوقائع أو الأشخاص المعنيين، مع التأكيد على احترام مبدأ قرينة البراءة.

كما توقف التقرير عند مسألة الحوكمة داخل الهياكل المعنية بتنفيذ مشاريع الرقمنة، مسجلًا غموضًا في توزيع الصلاحيات بين المصالح المختلفة، وتداخلًا في الأدوار بين الهياكل الإدارية والتقنية، إضافة إلى ضعف التنسيق الأفقي بين القطاعات. وأوضح مجلس المحاسبة أن هذا الوضع أدى في بعض الحالات إلى تسيير برامج رقمية دون مخططات عمل سنوية واضحة، أو دون تقارير دورية منتظمة تسمح بتقييم التقدم المحقق ومعالجة الانحرافات المحتملة، ما يزيد من مخاطر تأخر الإنجاز أو ضعف الاستغلال.

وفيما يتعلق بالموارد البشرية، أشار التقرير إلى أن التحدي المطروح في مجال رقمنة الإدارة لا يرتبط أساسًا بنقص عدد المستخدمين، بل بضعف التكوين المتخصص في مجالات إدارة المشاريع الرقمية، وتكنولوجيات الإعلام والاتصال، واستعمال الأنظمة المعلوماتية. كما سجل اعتمادًا متزايدًا على متعاملين خارجيين لإنجاز مهام تقنية، دون ضمان نقل فعلي للخبرة أو بناء قدرات داخلية مستدامة داخل الإدارات، وهو ما اعتبره التقرير عاملًا يحد من استمرارية الأداء ويرفع من مخاطر سوء التسيير.

وأكد التقرير أن الاختلالات المسجلة في برامج رقمنة الإدارة العمومية والحظائر التكنولوجية لا يمكن فصلها عن غياب منظومة تقييم شاملة تربط بين الأهداف المعلنة، والوسائل المسخرة، والنتائج المحققة فعليًا. وشدد مجلس المحاسبة على أن تحسين هذا المسار يقتضي اعتماد مقاربة أكثر تكاملًا، تقوم على التخطيط المسبق، وضبط الأولويات، وتعزيز آليات المتابعة والتقييم، وربط النفقات العمومية بنتائج قابلة للقياس، بما يسمح بتحقيق الأثر المنتظر من الاستثمارات العمومية في مجال التحول الرقمي.

وفي ختام التقرير، شدد مجلس المحاسبة على أن تفعيل مسارات المساءلة، سواء الإدارية أو القضائية، يندرج ضمن دوره الدستوري في حماية المال العام وترقية مبادئ الشفافية والحَوْكمة الرشيدة. وأكد أن إحالة تسعة ملفات تتضمن وقائع قابلة للوصف الجزائي إلى العدالة تعكس انتقال بعض الاختلالات من مستوى الملاحظة الرقابية إلى مستوى التبليغ القضائي، مع بقاء الفصل في هذه الوقائع من اختصاص الجهات القضائية وحدها، وذلك في إطار احترام القانون وحقوق جميع الأطراف.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

كان 2025: انتقادات للتحكيم بعد إقصاء الجزائر أمام نيجيريا

 لم تقتصر خيبة أمل المنتخب الوطني الجزائري عقب خروجه من الدور ربع النهائي لكأس إفريقيا للأ…