حين يريد الهمج إعدام «المقنين الزين» مرة أخرى
عاد التيار الهمجي لمهاجمة المسجد الأعظم في الجزائر بعد أن تحدث خطيب المسجد عن تاريخ أغنية «المقنين الزين» التي ألّفها وغنّاها المجاهد الراحل محمد الباجي رحمه الله. وطبعًا، الهجوم على المسجد الأعظم ليس جديدًا، بل يتم على مراحل ومنذ سنوات من طرف التيار السلفي الوهابي الهمجي الذي لم يستسغ أن يكون للمرجعية الدينية الجزائرية عنوانٌ ومعلمٌ بحجم المسجد الأعظم.
تيار الهمج لا يعترف بشهداء الجزائر، ولا برموزها، ولا بمجاهداتها ومجاهديها. والاستهزاء بأغنية «المقنين الزين»، وهي من أجمل ما ألّف المجاهد الراحل الذي كان محكومًا عليه بالإعدام في سجن سركاجي من طرف الاستعمار الفرنسي، يكشف عقلية عدميّة ناكرة لتاريخ الجزائر، لثورتها، لرموزها، ولماضيها، من الملك ماسينيسا إلى القديس دونات والقديس أوغسطين، وصولًا إلى النشيد الوطني وراية الجزائر. والمصيبة أن هناك أجيالًا تتخرّج اليوم على ثقافة هذا التيار الذي ينتشر كالنار في الهشيم داخل بلدنا، وهو تيار خادم مطيع لكل خطاب هدام يستهدف هوية الجزائر.
من يعرف حكاية أغنية «يا المقنين الزين» يفترض أن ينحني احترامًا ويبكي لما تمثّله هذه الأغنية. فكاتبها المجاهد الراحل محمد الباجي كتبها كشهادة حيّة على إعدام شاب في مقتبل العمر كان بجواره في سجن سركاجي، هو الشهيد رحالي بوعلام رحمه الله. هذا الشاب الفدائي قام بعملية ضد الاستعمار الفرنسي في أحد ملاعب الجزائر، وكان عمره أقل من ثمانية عشر عامًا عندما قبضت عليه السلطات الاستعمارية الفرنسية، التي حكمت عليه بالإعدام بالمقصلة.
قصة هذا الشهيد مؤلمة من كل الجوانب، وقد رواها المجاهد الراحل محمد الباجي للزميل المرحوم حميد كشاد عبر أمواج القناة الثالثة الناطقة باللغة الفرنسية. وتُعدّ هذه الحادثة من أبشع الجرائم التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي في الجزائر، حيث استذكر الباجي، بألم شديد، يوم إعدام هذا الشاب الفدائي، مؤكدًا أن إدارة السجن لجأت إلى تزوير تاريخ ميلاده حتى يبلغ السن القانونية التي تسمح بتنفيذ حكم الإعدام، رغم أنه لم يكن قد بلغ الثامنة عشرة، بينما كان القانون يمنع إعدام من هم دون هذا السن.
وبعد إعدامه ظلمًا، كتب المجاهد محمد الباجي قصيدة «المقنين الزين»، لأنه شبّه ذلك الشاب بطائر المقنين الذي يعشقه الجزائريون لجماله وألوانه وصوته الذي لا ينقطع. كان الباجي يصوّر حياة الشهيد رحالي بوعلام في صورة هذا الطائر الجميل. لكن تيار الهمج، الذي يهدد استقرار الجزائر، لا ذوق له، فالغناء عندهم حرام، والمجاهد الذي ضحّى من أجل وطنه ليس مجاهدًا، والشهيد ليس شهيدًا، والمرأة التي حملت السلاح لتحرير شعبها تُتَّهم بالخروج عن الدين.
هذا التيار تسبب في دفع أب إلى قتل ابنته البريئة ذات الستة عشر عامًا باستعمال أداة فلاحية لجمع القش، كما ساهم في تهجير أكثر من مليون إطار جزائري خلال سنوات الإرهاب، وتسبب في قتل الآلاف، حيث ذُبح الأبناء، وقُتل الإخوة وأبناء العم والخال، فقط لأن أحدهم كان يعمل في الجيش أو الشرطة أو الصحافة. وبالأمس عاد الهمج من جديد للاعتداء على تمثال عين الفوارة، لأنهم لا يتحملون رؤية تمثال لامرأة، فصار هدفًا دائمًا لاعتداءاتهم.
تيار الهمج لم يتحمل أيضًا أن يكون للمرجعية الدينية الوطنية معلمٌ وسرحٌ عظيم متمثل في المسجد الأعظم، الذي يقصده آلاف الجزائريين للصلاة ومتابعة الخطب الدينية الوسطية المنبثقة من تاريخنا الإسلامي. هذه المرجعية تتعرض ليل نهار لحملات سبّ وتكفير من هذا التيار، الذي لم يترك الصوفية ولا المالكية ولا الحنفية ولا المذهب الإباضي، وهي كلها أركان المرجعية الدينية الوطنية. فلا يوجد إسلام خارج المذاهب، والجزائر مسلمة منذ أكثر من ثلاثة عشر قرنًا، وليست بحاجة إلى مذاهب القتل والتكفير التي عرفنا نتائجها خلال سنوات الإرهاب.
الشهيد بوعلام رحالي، الذي أُعدم بالمقصلة في سجن سركاجي، مثل الشهيد أحمد زبانة وعبد القادر فرج رحمهم الله، أسماء محفوظة وخالدة في تاريخ الجزائر، وأغنية «المقنين الزين» تخلّدهم جميعًا في ذاكرة الأجيال القادمة.
رحم الله شهداء الجزائر.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
الهند و«إسرائيل» والإمارات… ممر تجاري أم صراع نفوذ؟
بعد تجاوز عقبة غزة التي كانت تشكل حجر عثرة أمام إنشاء قناة بن غوريون، التي يُراد لها أن تن…






