‫الرئيسية‬ الأولى رسالة تسامح واعتراف بإرث حضاري عميق.. البابا ليون السادس عشر يزور أرض القديس أوغسطين
الأولى - الحدث - الوطني - رأي - مقالات - ‫‫‫‏‫19 دقيقة مضت‬

رسالة تسامح واعتراف بإرث حضاري عميق.. البابا ليون السادس عشر يزور أرض القديس أوغسطين

رسالة تسامح واعتراف بإرث حضاري عميق.. البابا ليون السادس عشر يزور أرض القديس أوغسطين
تأكدت الزيارة الرسمية لقداسة البابا ليون السادس عشر إلى الجزائر، والمقررة من 13 إلى 15 أفريل المقبل، في حدث يُرتقب أن يحظى بمتابعة دولية واسعة، بالنظر إلى رمزيته الدينية والتاريخية. وستتجه أنظار العالم خلال هذه الأيام إلى الجزائر، التي تستقبل لأول مرة بابا الفاتيكان في زيارة تحمل أبعاداً حضارية وروحية عميقة، باعتبارها أرض القديس أوغسطين، أحد أعمدة الفكر المسيحي في التاريخ.

وتأتي هذه الزيارة تتويجاً لمسار دبلوماسي وثقافي، عقب الزيارة التي قام بها رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون إلى الفاتيكان، حيث وجّه دعوة رسمية لقداسة البابا لزيارة الجزائر. كما يُذكر أن البابا كان قد زار الجزائر قبل اعتلائه الكرسي البابوي، وشارك في ملتقى دولي بمدينة عنابة خُصص للفكر الأوغسطيني وإرث القديس أوغسطين.

ويُعدّ القديس أوغسطين، المولود في مدينة سوق أهراس، من أعظم فلاسفة ولاهوتيي المسيحية الكاثوليكية، وقد شكّلت كتاباته مرجعاً أساسياً في بناء الفكر اللاهوتي الغربي. وتجدر الإشارة إلى أن رفات القديس أوغسطين مدفونة حالياً في مدينة بافيا الإيطالية، داخل كنيسة سان بييترو في تشيل دورو، وليس في الفاتيكان كما يُشاع أحياناً.

ويمثّل أوغسطين اتجاهاً لاهوتياً مختلفاً عن تيار القديس دونات ابن مدينة مداوروش، الذي ارتبط اسمه بالحركة الدوناتية ذات النزعة التوحيدية الصارمة، والتي رفضت عقيدة التثليث، على عكس أوغسطين الذي كان من أبرز المدافعين عن عقائد كنيسة روما وساهم في ترسيخ سلطتها الفكرية.

وسبق أن أثارت مسألة الانتماء الجغرافي للقديس أوغسطين جدلاً، خاصة بعد تقديمه في مناسبات إعلامية رسمية بتونس على أنه شخصية “تونسية”، دون تصحيح رسمي من الجانب الجزائري آنذاك، رغم أن مسقط رأسه وتكوينه الأول كانا في الجزائر. وقد أدى هذا الإهمال إلى توجيه مسارات سياحية ودينية نحو خارج الجزائر، في وقت كان من المفترض أن تكون المدن الجزائرية، وعلى رأسها سوق أهراس وعنابة، محطات مركزية في هذا المسار الروحي والثقافي.

وخلال فترة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، عاد الاهتمام الرسمي بإرث القديس أوغسطين، حيث قُدّم طلب إلى السلطات الفاتيكانية من أجل إعادة رفاته إلى الجزائر، سواء إلى عنابة أو سوق أهراس، غير أن هذا الطلب لم يُلبَّ إلى اليوم. وتُطرح زيارة البابا الحالية كفرصة لإعادة فتح هذا الملف، بما قد يتيح إعادة دفن الرفات في أرض الجزائر، وتحويل هذا الإرث إلى رافد للسياحة الدينية والثقافية.

وتحمل الزيارة المرتقبة رسالة قوية عن التسامح والانفتاح الديني الذي تميّزت به الجزائر عبر تاريخها، كما تُبرز دورها في تشكيل الإرث الحضاري المتوسطي المتنوع. وهي مناسبة أيضاً لتقديم صورة الجزائر كبلد يحتضن تعددية تاريخية وثقافية عميقة، في مواجهة الخطابات المتطرفة التي تسعى إلى طمس هذا الإرث أو مصادرته.

ويُعرف عن البابا ليون السادس عشر اهتمامه الكبير بالفكر الأوغسطيني، إذ درس فلسفة القديس أوغسطين وتأثر بها خلال مساره الأكاديمي، ويُعدّ من أبرز المتأثرين بالمدرسة الأوغسطينية داخل الكنيسة الكاثوليكية. وقد عبّر، في أولى تصريحاته عقب انتخابه، عن رغبته في زيارة الجزائر والأماكن المرتبطة بحياة أوغسطين، لا سيما سوق أهراس وعنابة، حيث توجد الكنيسة التي تحمل اسمه، إضافة إلى مواقع تاريخية أخرى مرتبطة بنشاطه الديني والفكري.

وتُنتظر أن تكون هذه الزيارة فرصة ثمينة للأجيال الصاعدة في الجزائر للاطلاع على ثراء تاريخ بلادهم وعمقه الحضاري والديني، والتعرّف على شخصيات جزائرية أسهمت في تشكيل الفكر الإنساني، من أبوليوس المداوري صاحب “الحمار الذهبي”، إلى القديس دونات، فالقديس أوغسطين، مروراً بالكاهنة، وملكة الطوارق تينهينان، وصولاً إلى أعلام الفكر الديني الإسلامي مثل الشيخ المغيلي وسيدي أحمد التيجاني.

بهذا المعنى، لا تُمثّل زيارة البابا حدثاً بروتوكولياً عابراً، بل محطة تاريخية تعيد الجزائر إلى موقعها الطبيعي في الذاكرة الحضارية المتوسطية، وتفتح آفاقاً جديدة لاستثمار هذا الإرث في الحوار بين الحضارات والأديان.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

كيف يدفع المسيحيون الصهاينة بأجندة «إسرائيل الكبرى»؟

أثار تصريح حديث للسفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي، خلال مقابلة إعلامية مع الصحفي الأ…