عندما تُحاضر صحافة الانحطاط في حرية التعبير بالجزائر!
شنّ الإعلام المغربي، الرسمي والموازي، حملة موجهة ضد الجزائر في أعقاب صدور تقرير “مراسلون بلا حدود” لسنة 2025، والذي رصد تراجعًا عامًا في مؤشرات حرية الصحافة في عدة دول، بينها الجزائر.
وبينما تعترف الجزائر بوجود تحديات حقيقية داخل منظومتها الإعلامية، لا يمكن أن تمرّ محاولات التهجم الصادرة عن أبواق المخزن مرور الكرام، لأن المغرب، بكل أجهزته السلطوية وهيمنته المطلقة على الإعلام، فقد آخر ما تبقى له من شرعية ليقدم نفسه كمدافع عن حرية التعبير.
لا توجد في المغرب حرية صحافة حقيقية. ما يوجد هو مساحات خاضعة للمراقبة والتحكم، تُفتح وتُغلق وفق درجة الولاء للقصر، وتُقاس فيها “المهنية” بمدى تقرب الصحفي من “أمير المؤمنين”. في ظل هذا النظام الملكي المطلق، يُمنع على الصحفي الاقتراب من الخطوط الحمراء التي تبدأ باسم الملك ولا تنتهي عند ثروته أو اختفائه المستمر. فقد غاب محمد السادس عن المشهد السياسي والإعلامي لأكثر من 300 يوم خلال عام واحد، دون أن تجرؤ وسيلة إعلام مغربية واحدة على طرح سؤال مشروع: أين هو؟ لماذا يختفي؟ ومن يحكم فعلًا في غيابه؟ هذا الصمت المخيف يُفسر شيئًا واحدًا: الإعلام المغربي لا يراقب السلطة… بل يقدّسها.
بسبب ما بات يُعرف بـ”مملكة الاعتقالات”، حيث تحوّل القلم إلى تهمة، والرأي الحر إلى جريمة تُقابل بالسجن والتشهير. فقد اعتُقل الصحفي الاستقصائي عمر الراضي وسُجن بتهم “أخلاقية” مفبركة، لأنه تجرأ على فضح شبكات الفساد المرتبطة بتوزيع الأراضي لصالح المقربين من القصر. ولاقى سليمان الريسوني، رئيس تحرير جريدة أخبار اليوم، المصير نفسه بعد افتتاحياته الجريئة التي انتقد فيها الاستبداد والأجهزة الأمنية، فحُرم من حريته في محاكمة وصفتها منظمات دولية بالمسيسة. أما الصحفي توفيق بوعشرين، فحُكم عليه بـ12 سنة حبسًا، في قضية رأى فيها الحقوقيون تصفية حسابات سياسية مغلفة بتهم أخلاقية. حتى الصحفية الشابة هاجر الريسوني لم تسلم، إذ زُج بها في السجن بتهمة “الإجهاض غير القانوني”، بسبب انتمائها العائلي الذي لم يكن على هوى المخزن.
كل هؤلاء وغيرهم دفعوا ثمن الكلمة الحرة في بلد يتغنى بالإصلاح والحداثة، بينما يُدير الإعلام فيه جهاز أمني يرتدي بذلة مدنية ويستعمل القانون لقمع الأصوات المستقلة.
في الجزائر، يظل دعم القضية الفلسطينية خطًا أحمر ومبدأ سياديًا، تتبناه الدولة ويُردّده الإعلام بحرية وفخر. أما في المغرب، فمنذ توقيع اتفاق التطبيع مع الكيان الصهيوني أواخر 2020، تحوّل الإعلام إلى بوق للترويج للعلاقات مع إسرائيل، وغطاء لتكميم أي صوت معارض.
المظاهرات الرافضة للتطبيع تُقمع، والتدوينات تُحذف، والناشطون يُعتقلون، فيما يُمنع الصحفيون من تغطية أي موقف شعبي لا ينسجم مع التوجه الرسمي للملك. إنها “حرية التعبير” التي تُمارس في حدود ما يسمح به البلاط… لا أكثر.
صحيح أن الجزائر تواجه تحديات في قطاع الإعلام، لكن جوهر المسألة يكمن في أن الحريات فيها تُناقش، ويُدافع عنها من داخل البلاد، لا من غرف مظلمة يديرها قصر ملكي كما هو الحال في الجارة الغربية. في الجزائر، لا يوجد حاكم مقدس، ولا يُعامل الرئيس ككائن منزَّه عن النقد، بل تُكتب عنه المقالات التحليلية والناقدة يوميًا، دون خوف من سيف “المقدسات”.
في الجزائر، الإعلام يُسمح له بفتح ملفات فساد في الوزارات، وبطرح قضايا الهوية والدين واللغة بلا رقابة سلطوية عليا. لا توجد “خطوط حمراء” تُفرض من فوق، ولا “ديوان ملكي” يلقّن الصحف ما يجب وما لا يجب أن يُقال. الصحفي الجزائري، لا ينتظر مكالمة هاتفية ليعرف حدود حريته، بل يشتغل على أرضية قانونية وسياسية قابلة للنقد والتطوير، وهذا ما يُميّز الدولة الجمهورية عن الملكيات المطلقة التي تلبس قناع الانفتاح وتخفي خلفه نظامًا بوليسيًا متوارثًا.
تحوّلت صحف مغربية شهيرة، مثل “الصباح” و”الأحداث المغربية”، إلى منصات لتصفية الحسابات مع المعارضين، بدل أن تكون منابر للرقابة الشعبية. أما مواقع مثل “Le360″، فهي ليست سوى أذرع دعائية تضرب في كل معارض، وتُشيد بكل نشاط ملكي، ولو كان نزهة عابرة في شوارع باريس.
الأسوأ أن تمويل هذه المنصات ليس شفافًا. بعضها يُموَّل سرًا من كيانات مرتبطة بفرنسا، أو من لوبيات صهيونية تدفع مقابل تسويق صورة “المملكة المستقرة المطبّعة”، في مقابل إقصاء كل صوت شعبي حقيقي.
إن كانت حرية التعبير تُقاس بالمواقف السيادية، فالجزائر تتقدم بأشواط. لم تطبع، لم تخضع، لم تُسلّم سيادتها، ولم تفتح أبوابها أمام التطبيع أو الإملاءات الخارجية. حرية الصحافة في الجزائر تُنتزع في الميدان، على يد صحفيين واجهوا الارهاب، ناضلوا في الحراك، وفي القرى، وفي الصحف الورقية والمواقع الإلكترونية، وليس في مكاتب المستشار الملكي.
نحن في الجزائر نُنتقد من الداخل، لكننا لا نقبل أن يُحاضر علينا إعلام مأجور، مطيع، لا يجرؤ حتى على السؤال: أين الملك؟ ولماذا يُغيب نفسه بينما البلد يغلي؟
نقولها بصوت عالٍ لإعلام المخزن وأبواق البلاط، اصمتوا! فمن يعيش في بيت من زجاج هش، لا يملك رفاهية الحديث عن حرية التعبير.
الإعلام المغربي مرآة مشروخة لا تعكس سوى رغبات القصر، بينما الإعلام الجزائري – رغم أزماته – ما زال يقاوم، ويسائل، وينتقد، ويرفض أن يُباع… أو يُدار عن بعد.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
13 سنة من المعاناة ومطالب بتدخل عاجل لوزير السكن.. من يتحمّل مسؤولية تعثّر مشروع “عدل 2” بالرحمانية؟
عاد ملف مشروع 10507 سكن بصيغة “عدل 2” بالرحمانية إلى الواجهة، بعد مراسلة رسمية وجّهتها الن…







