هل يتسبب ترامب في عزل الولايات المتحدة وانهيار قيادتها العالمية؟
تطرح التحولات المتسارعة في مواقف حلفاء الولايات المتحدة، خلال الأشهر الأخيرة، سؤالًا لم يعد حكرًا على مراكز الدراسات الاستراتيجية، بل بات حاضرًا بقوة في النقاش العام الغربي، هل تدفع سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نحو عزل واشنطن وتفكيك منظومة التحالفات التي بنت عليها قيادتها للعالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؟
أولى الإشارات اللافتة جاءت من لندن. رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الذي تُعد بلاده تاريخيًا الحليف الأكثر قربًا ووفاءً لواشنطن، قام بزيارة رسمية إلى الصين بعد قطيعة دامت ثماني سنوات كاملة. زيارة تأتي في سياق بالغ الحساسية، وسط اتهامات بريطانية سابقة لبكين بالتجسس وسرقة التكنولوجيا الغربية، وفي ظل صراع خفي على النفوذ والاقتصاد العالمي. هذه الخطوة لم تمر مرور الكرام في واشنطن، حيث علّق الرئيس ترامب عليها بتصريحات سلبية، في تعبير واضح عن انزعاجه من تحرك حليف تقليدي خارج المدار الأمريكي.
غير أن قراءة الموقف من زاوية بريطانية تُظهر أن التقارب مع الصين لم يعد خيارًا سياسيًا تكتيكيًا، بل بات، وفق تصريحات دوائر بريطانية، مسألة “حياة أو موت” اقتصاديًا. فالمملكة المتحدة، التي تعاني من أزمة اقتصادية خانقة وتداعيات الخروج من الاتحاد الأوروبي، تبحث عن أسواق واستثمارات قادرة على إنعاش اقتصادها، حتى وإن تطلّب الأمر تجاوز الخطوط الحمراء التي رسمتها واشنطن سابقًا.
المؤشر الثاني، وربما الأوضح، يتمثل في مصادقة الاتحاد الأوروبي على اتفاقية التجارة الحرة مع الهند بعد أكثر من عشرين عامًا من المفاوضات. هذا الاتفاق لا يُقرأ بمعزل عن التحولات الجيوسياسية الراهنة، بل يعكس توجهًا أوروبيًا متزايدًا نحو تنويع الشراكات الاستراتيجية، بعيدًا عن الارتهان للقيادة الأمريكية. فالأوروبيون اصطدموا بسياسات ترامب القائمة على فرض الرسوم الجمركية، والتشكيك في جدوى حلف شمال الأطلسي، والتهرب من مبدأ الدفاع المشترك، ما ولّد شعورًا متزايدًا بعدم الاعتماد على واشنطن كشريك ثابت.
الاتفاق الأوروبي–الهندي، الذي قدّرت رئيسة المفوضية الأوروبية السوق الناتجة عنه بنحو ملياري مستهلك، يُعد من أكبر الشراكات الاقتصادية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. الهند ستصدر إلى أوروبا منتجات حيوية كالأدوية والنسيج، بينما ستصدر أوروبا للهند التكنولوجيا، والمعدات، والسيارات، في شراكة تُعيد رسم ملامح الاقتصاد العالمي بعيدًا عن المركز الأمريكي التقليدي.
أما على جبهة العلاقات مع روسيا، فيبدو أن الخطاب داخل الاتحاد الأوروبي يشهد تحولًا تدريجيًا، وإن كان حذرًا. فبعد وصول الحرب في أوكرانيا إلى طريق مسدود، وارتفاع الكلفة المالية السنوية التي يتحملها الأوروبيون لدعم نظام يُتهم على نطاق واسع بالفساد، بدأت أصوات أوروبية تطالب بإعادة فتح قنوات التواصل مع موسكو. التصريح الأخير لرئيسة وزراء إيطاليا، التي دعت إلى تعيين مبعوث أوروبي إلى روسيا، يعكس بداية مراجعة خجولة للسياسة الأوروبية المنحازة كليًا للرؤية الأمريكية.
التحركات الألمانية المتزايدة نحو تعزيز العلاقات الاقتصادية مع الصين تندرج بدورها في هذا السياق. فبرلين، القوة الاقتصادية الأولى في أوروبا، باتت ترى في الصين شريكًا لا غنى عنه، رغم التحفظات السياسية. هذا التوجه يزيد من اهتزاز الثقة في قدرة الولايات المتحدة على قيادة النظام الدولي بأسلوب الرئيس ترامب، القائم على التدخل المباشر، واستخدام القوة، ومنطق الإملاء، وهي مقاربة تُشبه إلى حد بعيد الأساليب الاستعمارية القديمة التي أثبتت محدودية فعاليتها في عالم متعدد الأقطاب.
ثم جاءت “قضية غرينلاند” لتعمّق الشرخ. تهديد ترامب بالاستيلاء على الجزيرة بالقوة في حال رفضت الدنمارك التخلي عنها سلميًا شكّل صدمة حقيقية داخل أوروبا، واعتُبر القشة التي أفاضت الكأس. هذا الخطاب أنهى ما تبقى من الثقة بين الأوروبيين وواشنطن، ووجّه ضربة قوية للتحالف “المقدس” الذي تأسس عقب الحرب العالمية الثانية.
مجمل هذه المؤشرات، من لندن إلى بروكسل، ومن برلين إلى روما، مرورًا بأوتاوا، تدل على أن حلفاء الأمس لم يعودوا واثقين في قدرة الولايات المتحدة على لعب دور القائد العالمي المتزن. دول ككندا وبريطانيا وعدد من دول الاتحاد الأوروبي باتت تبحث عن شركاء جدد، كانوا حتى وقت قريب يُصنّفون في خانة الخصوم أو المنافسين.
السؤال المطروح اليوم لم يعد ما إذا كانت أمريكا تتراجع، بل إلى أي حد تسرّع سياسات ترامب هذا التراجع، وهل ما نشهده هو بداية عزلة أمريكية طوعية، أم نهاية مرحلة تاريخية من الهيمنة غير القابلة للتعويض. في عالم يتغير بسرعة، يبدو أن واشنطن، لأول مرة منذ عقود، لم تعد البوصلة الوحيدة.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
إبستين يفضح الغرب… ويعرّي صمت العرب!
بدأت الوثائق المرتبطة بملف رجل الأعمال الأميركي الراحل جيفري إبستين، التي أُفرج عن أجزاء م…






