‫الرئيسية‬ الأولى وزارة الشؤون الدينية بين خطاب الإصلاح ومفارقات الممارسة
الأولى - رأي - مقالات - 16/12/2025

وزارة الشؤون الدينية بين خطاب الإصلاح ومفارقات الممارسة

وزارة الشؤون الدينية بين خطاب الإصلاح ومفارقات الممارسة
بعد سلسلة من التصريحات التي وُصفت بالإيجابية، بل وذهب بعض المتابعين إلى اعتبارها جريئة في سياق إعادة تنظيم الشأن الديني في الجزائر، برز أمل حقيقي في تحصين المرجعية الدينية الوطنية التي شكّلت وجدان الجزائريين لأكثر من اثني عشر قرنا. هذه المرجعية، القائمة على الاعتدال والوسطية والانتماء للمذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني، تواجه منذ سنوات ضغوطا متزايدة بفعل تسلل أفكار دخيلة على المجتمع، تتسم بالتطرف والحدية ومنطق التكفير، إلى درجة توحي وكأن أجيالا كاملة من الجزائريين عبر التاريخ كانت، وفق هذا الخطاب، على “غير صحيح الدين”، وهو ما يشكل خطرا فكريا حقيقيا على التماسك المجتمعي.

غير أن الخطاب الرسمي المعلن لوزارة الشؤون الدينية، وخاصة ما يتعلق بمحاربة التطرف وفوضى الفتوى، يصطدم، في نظر منتقدين، بتناقض واضح بين الأقوال والممارسات. فقد أثارت صور ولقاءات جمعت وزير الشؤون الدينية بعدد من الأئمة المعروفين بخطاباتهم الجدلية والمتشددة تساؤلات عميقة حول مدى انسجام هذه اللقاءات مع خطاب الإصلاح المعلن. فبعض هؤلاء الأئمة يُنظر إليهم باعتبارهم من بؤر التوتر الفكري، ومن الأصوات التي غذّت الاستقطاب الديني بدل تهدئته.

ومن بين هذه الأمثلة، إمام اشتهر بمهاجمة المفكر الإسلامي عدنان إبراهيم، رغم أن هذا الأخير يُعرف، لدى أنصاره وخصومه على السواء، بتمكنه المعرفي وقدرته على الاشتغال النقدي على التراث. المفارقة، كما يطرحها منتقدو هذا الخطاب، أن الإمام المذكور هاجم عدنان إبراهيم بسبب انتقاده لحسن البنا، مؤسس حركة الإخوان المسلمين، في حين أن هذا الموضوع نفسه كان محل نقاش واسع لدى مفكرين عرب كبار، من بينهم الأديب المصري عباس محمود العقاد، الذي تناول سيرة حسن البنا بالتحليل والنقد، واستند إلى بحوث تاريخية وأنسابية مثيرة للجدل، إضافة إلى خطب وتصريحات منسوبة للبنا نفسه في أربعينيات القرن الماضي، تحدث فيها عن قضايا تتعلق باليهود وحقهم في إقامة دولة، وهو ما يجعل من التقديس المطلق لهذه الشخصيات أمرا إشكاليا من منظور نقدي.

ويطرح هذا الواقع سؤالا مركزيا، كيف يمكن حماية المرجعية الدينية الوطنية عبر أئمة يفتقر بعضهم، بحسب منتقدين، إلى أدوات البحث والتدقيق، ويكتفون بترديد خطابات وافدة من المشرق، دون تمحيص أو مراعاة لخصوصية المجتمع الجزائري؟ فالتراث المالكي في الجزائر قام تاريخيا على فقه الواقع، وعلى إدراك السياق، وهو ما عبّر عنه الإمام مالك نفسه عندما رفض تعميم “الموطأ” على أهل الشام، قائلا إن ما كتبه كان لأهل المدينة، لا لغيرهم. هذا الوعي بالسياق يبدو غائبا لدى بعض الخطباء الذين يستوردون خطابات جاهزة، لا تنسجم مع البنية الثقافية والاجتماعية الجزائرية.

ويبرز نموذج آخر لإمام جعل من خطاب التخويف من الموت محورا أساسيا لمنبره، وكأن الموت ظاهرة بدأت قبل أربعة عشر قرنا فقط، متجاهلا أنه حقيقة إنسانية صاحبت البشرية منذ نشأتها، وأن كل الديانات والفلسفات تعاملت معها وفق تصورات مختلفة. هذا النوع من الخطاب، الذي يروّج لثقافة الموت بدل ثقافة الحياة، يُنظر إليه على أنه يسيء للمجتمع أكثر مما يصلحه، خاصة في بلد يحتاج إلى ترسيخ الأمل، والعمل، والتفكير في المستقبل، لا إلى ترهيب يومي يُفرغ الدين من بعده الأخلاقي والإنساني.

أما النموذج الثالث، الذي يثير قدرا أكبر من الجدل، فهو إمام لجأ إلى تكفير رئيس دولة أجنبية، وإلى التلفظ بعبارات مهينة في حق نساء جزائريات من فوق منبر يفترض فيه الحكمة والوقار. هذا النوع من الخطاب، الصاخب والمستفز، لا يسيء فقط لصورة المؤسسة الدينية، بل يضعها في مواجهة مباشرة مع قيم الدولة والمجتمع، ويحوّل المنبر إلى فضاء للانفلات اللفظي بدل أن يكون مجالا للإرشاد والتوجيه.

إن اجتماع هذه النماذج، أو ما يمكن وصفه بـ”الثالوث المثير للجدل”، في سياق يُفترض أنه إصلاحي، لا يبشر، في نظر منتقدي الوزارة، بخير كثير. بل إنه يعاكس تماما الخطاب المتفائل الذي عبّر عنه وزير الشؤون الدينية في مناسبات سابقة حول محاربة التطرف وإعادة الاعتبار للمرجعية الوطنية. فالإصلاح، من منظور عقلاني، لا يمكن أن يُنجز بالأدوات ذاتها التي ساهمت في إفساد المشهد الديني.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

إبستين يفضح الغرب… ويعرّي صمت العرب!

بدأت الوثائق المرتبطة بملف رجل الأعمال الأميركي الراحل جيفري إبستين، التي أُفرج عن أجزاء م…