إلى أين يقود الخطاب الديني المتطرف في الجزائر؟
عشر سنوات من الإرهاب، آلاف القتلى، مليارات الدولارات من الخسائر المادية، وتهجير أكثر من مليون إطار جزائري من خيرة ما أنجبت الجامعة الجزائرية. ورغم كل هذا الثمن الباهظ الذي دفعته الجزائر، ما يزال الخطاب المتطرف يجد لنفسه مساحة في المجتمع، دون أن تُجرَّم صراحةً الدعوات التكفيرية التي كانت السبب في صناعة جيل من الشباب الذين غُرِّر بهم، فحملوا السلاح وقتلوا الجندي والصحفي والمواطن البسيط، لأنهم أُقنعوا بأن هؤلاء “طواغيت”.
لقد رأينا خلال سنوات الإرهاب كيف تحولت الفتوى المتطرفة إلى سلاح قاتل. شباب تم تضليلهم بخطاب تكفيري أقنعهم بأن قتل الأبرياء طريق إلى الجنة، وأن المجتمع كله يعيش في “جاهلية”. ومن أبشع الصور التي ما تزال محفورة في ذاكرة الجزائريين تلك الجرائم التي ارتُكبت باسم الدين، حين قُتل الأب والأم والأخ، بل وحتى الأم التي ذُبحت على يد ابنها بعدما أُقنع بأن قطعة القماش التي تضعها على رأسها لا تكفي لجعلها “مؤمنة”، وأن قتلها واجب شرعي.
لقد حان الوقت لأن تضع الجزائر تشريعات واضحة تجرّم الخطاب الديني المتطرف الذي يقوم على التكفير والتحريض ضد المجتمع. فالإرهاب لم يولد فجأة، بل سبقه خطاب ديني متشدد مهّد الطريق للعنف. وقد دفع الجزائريون ثمن هذا الخطاب من دمائهم واستقرار بلدهم، بينما ما يزال بعض دعاة التطرف يتنصلون من مسؤوليتهم الأخلاقية عما حدث.
ومن المفارقات أن هذا الخطاب التكفيري يطعن اليوم في المرجعية الدينية التي شكلت أساس الإسلام في الجزائر منذ قرون. فالذين استشهدوا من أجل تحرير الجزائر كانوا من أبناء الزوايا الصوفية، ومن أتباع المذهب المالكي، ومن مختلف مدارس الفقه الإسلامي التي شكلت الهوية الدينية الوطنية. هؤلاء لم ينتظروا فتاوى من خارج الجزائر حتى يقاوموا الاستعمار الفرنسي، بل حملوا السلاح دفاعًا عن وطنهم وكرامة شعبهم.
غير أن بعض التيارات المتشددة التي ظهرت في العقود الأخيرة تحاول اليوم التشكيك في هذه المرجعية التاريخية، بل وتذهب أحيانًا إلى تكفير مكونات أساسية من التراث الديني الجزائري، وعلى رأسها التصوف الذي كان حاضرًا بقوة في تاريخ المقاومة الوطنية.
إن التطرف الديني الذي دخل إلى الجزائر عبر تيارات فكرية وافدة أصبح اليوم يمثل خطرًا على التوازن الديني الذي عرفت به البلاد عبر تاريخها. فهذه التيارات لا تكتفي بنقد المذاهب الأخرى، بل تصل في بعض الأحيان إلى تكفيرها بالكامل، وكأن الجزائر اكتشفت بعد أكثر من ثلاثة عشر قرنًا من الإسلام دينًا جديدًا مختلفًا عن الإسلام الذي عرفه الجزائريون عبر تاريخهم.
ولا يمكن تجاهل أن المرجعية الدينية الوطنية في الجزائر قامت أساسًا على المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني المعتدل، وهي المرجعية التي ساهمت في الحفاظ على التماسك الاجتماعي خلال قرون طويلة. ولذلك فإن أي خطاب يقوم على تكفير هذه المرجعية لا يمكن أن يؤدي إلا إلى نشر الفتنة داخل المجتمع.
ومن أخطر مظاهر هذا الخطاب المتشدد أن بعض رموزه يذهبون إلى التشكيك حتى في رموز تاريخية كبرى مثل الأمير عبد القادر، الذي يعد أحد أبرز الشخصيات في تاريخ الجزائر الحديث. فالأمير عبد القادر لم يكن فقط قائدًا للمقاومة ضد الاستعمار الفرنسي، بل كان أيضًا مفكرًا صوفيًا وشاعرًا وعالمًا في الدين، وقد ترك إرثًا فكريًا وإنسانيًا كبيرًا جعل اسمه يحظى باحترام عالمي.
ومع ذلك، فإن بعض الخطابات المتطرفة لا تتردد في الطعن في هذا الإرث، فقط لأن الأمير عبد القادر كان صوفيًا ومفكرًا منفتحًا على العلوم والثقافة. وهذا يعكس مدى خطورة الفكر التكفيري عندما يتحول إلى أداة لإقصاء كل من يختلف معه.
إن حماية المجتمع من هذا الخطاب المتطرف لم تعد مسألة فكرية فقط، بل أصبحت قضية أمنية وثقافية في آن واحد. فالجزائر التي عانت من الإرهاب في التسعينيات تعرف جيدًا أن بداية العنف تكون بالكلمة، وأن خطاب الكراهية والتكفير يمكن أن يتحول بسرعة إلى أفعال دامية.
ولهذا يرى كثير من المتابعين أن الوقت قد حان لوضع قوانين واضحة تحمّل كل من يحرّض على التكفير أو العنف مسؤولية ما قد يترتب على خطابه من نتائج. فكما أن القانون يعاقب من يرتكب الجريمة، يجب أيضًا أن يعاقب من يبررها أو يمهد لها فكريًا.
إن الجزائر ليست دولة ثيوقراطية ولا نظامًا دينيًا مغلقًا، بل هي جمهورية تأسست على تضحيات ملايين الشهداء. ولهذا فإن حماية وحدتها الفكرية والدينية مسؤولية جماعية، تبدأ بالحفاظ على المرجعية الوطنية التي شكلت أساس الإسلام في البلاد عبر قرون طويلة.
لقد خرجت الجزائر من سنوات الإرهاب بثمن باهظ، ولا يمكن السماح بعودة الظروف التي أدت إليه. فالتاريخ أثبت أن التسامح مع الخطاب التكفيري قد يتحول مع الوقت إلى تهديد حقيقي للاستقرار الوطني. ولذلك فإن الدفاع عن الاعتدال الديني ليس خيارًا فكريًا فحسب، بل هو ضرورة لحماية مستقبل البلاد.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
إيران تعتذر للخليج… وصحة موقف الجزائر يتأكد
أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان توقف بلاده عن توجيه أي ضربات عسكرية نحو دول الخليج، مقد…






