الانتخابات البلدية الفرنسية 2026.. الدور الأول يرسم خريطة سياسية جديدة
كشف الدور الأول من الانتخابات البلدية الفرنسية، التي جرت اليوم الأحد 15 مارس 2026، عن مشهد سياسي بالغ التعقيد والتشويق، في استحقاق يُعدّ من أهم المواعيد الانتخابية التي عرفتها الساحة السياسية الفرنسية خلال السنوات الأخيرة، بالنظر إلى كونه يمثل آخر اختبار انتخابي واسع قبل الانتخابات الرئاسية المرتقبة عام 2027. وقد توجه ما يزيد على 48.7 مليون ناخب فرنسي إلى صناديق الاقتراع المنتشرة عبر 34.904 بلدية في مختلف أرجاء الجمهورية، في يوم اعتبره المراقبون محطة سياسية تتجاوز في دلالاتها حدود البلديات والأحياء المحلية، لتطال موازين القوى بين الأحزاب والتيارات السياسية على المستوى الوطني، وتقدم مؤشرات مبكرة حول اتجاهات الرأي العام الفرنسي في المرحلة المقبلة.
وبحسب تقديرات معهد إيبسوس – بي في آي، فإن نسبة المشاركة النهائية بلغت نحو 56 بالمئة، وفق ما أوردته وسائل إعلام فرنسية، وهو رقم يعكس عودة واضحة للناخبين الفرنسيين إلى صناديق الاقتراع مقارنة بانتخابات عام 2020 التي جرت في سياق استثنائي طغت عليه تداعيات جائحة كورونا، وأسفرت آنذاك عن أدنى نسبة مشاركة في تاريخ الانتخابات البلدية الفرنسية، حيث لم تتجاوز 44.7 بالمئة. ويشير هذا الارتفاع في نسبة المشاركة إلى استعادة جزء من الحيوية الانتخابية في الحياة السياسية الفرنسية، غير أن هذه العودة لم تكن متجانسة على المستوى الجغرافي، إذ سجلت مناطق معينة مشاركة مرتفعة بشكل لافت، بينما ظلت مناطق أخرى عند مستويات متدنية نسبياً.
ففي جزيرة كورسيكا، على سبيل المثال، بلغت نسبة المشاركة 72.43 بالمئة في كورس دو سود و63.44 بالمئة في أوت كورس، وهو ما يعكس اهتماماً سياسياً واضحاً لدى الناخبين في هذه المنطقة ذات الخصوصية السياسية والتاريخية. وفي المقابل، جاءت منطقة إيل دو فرانس في ذيل الترتيب، حيث لم تتجاوز نسبة المشاركة 37.06 بالمئة في سين سان دوني، وهي إحدى المقاطعات التي تسجل تقليدياً مستويات مشاركة ضعيفة في الاستحقاقات المحلية. وعلى مستوى المدن الكبرى، بلغت نسبة المشاركة في مدينة ليل نحو 52.7 بالمئة، وهي نسبة أعلى بكثير من انتخابات 2020 التي لم تتجاوز فيها المشاركة 32.6 بالمئة، فيما سجلت مدينة رين نسبة مشاركة بلغت 59.3 بالمئة، بينما وصلت في مدينة تولون إلى 56.5 بالمئة، ما يعكس اهتماماً متفاوتاً بين المدن الفرنسية الكبرى بهذا الاستحقاق المحلي.
وعلى صعيد النتائج، كان الحدث الأكثر لفتاً للانتباه ما تحقق في مدينة بيربينيان، حيث تمكن لويس أليو، عمدة المدينة الحالي والقيادي في حزب التجمع الوطني، من تحقيق فوز مبكر بحصوله على 51.4 بالمئة من الأصوات وفق تقديرات معهد إيبسوس – بي في آي، ما يضعه على أعتاب إعادة انتخابه من الدور الأول. ويعكس هذا الفوز ترسخ حضور حزب التجمع الوطني في هذه المدينة الواقعة جنوب فرنسا، وقدرته على تحويل حضوره المحلي إلى قاعدة انتخابية مستقرة تمنحه أفضلية واضحة على منافسيه، في حين بدت النتائج في المدن الكبرى الأخرى أكثر تعقيداً وأقل حسماً، بما يوحي بأن الدور الثاني سيكون حاسماً ومفتوحاً على مختلف الاحتمالات.
وفي العاصمة باريس، تشهد الساحة السياسية منافسة محتدمة بعد إعلان العمدة الحالية آن هيدالغو عدم الترشح مجدداً، وهو ما فتح المجال أمام سباق انتخابي متعدد الأطراف يتصدره المرشحان الأوفر حظاً إيمانويل غريغوار عن الحزب الاشتراكي ورشيدة داتي عن حزب الجمهوريين. كما يشارك في هذا السباق عدد من المرشحين الآخرين، من بينهم سارة كنافو عن حزب الاستعادة، وبيير إيف بورنازيل عن حركة الآفاق، إضافة إلى صوفيا شيكيرو عن حركة فرنسا الأبية. ويجعل هذا التعدد في المرشحين من العاصمة الفرنسية إحدى أكثر المدن ترقباً لنتائج الدور الثاني، خاصة في ظل صعوبة التنبؤ بالتحالفات التي قد تتشكل بين مختلف القوى السياسية بعد إعلان نتائج الدور الأول.
أما في مدينة ليون، التي أصبحت منذ انتخابات 2020 رمزاً لصعود التيار البيئي في الحكم المحلي، فيخوض العمدة الحالي غريغوري دوسيه، المنتمي إلى حزب الخضر، معركة انتخابية صعبة في مواجهة جان ميشال أولاس، الرئيس السابق لنادي أولمبيك ليون والمدعوم من قوى اليمين والتيار الداعم للرئيس إيمانويل ماكرون. ولا تقتصر أهمية هذه المواجهة على حدود المدينة فحسب، بل تتجاوزها لتشكل اختباراً حقيقياً لمدى صمود التجربة البيئية في إدارة المدن الفرنسية، في ظل التحولات التي عرفها المزاج السياسي الفرنسي خلال السنوات الأخيرة.
وفي مدينة مرسيليا، يراهن حزب التجمع الوطني على تحقيق اختراق سياسي مهم في مدينة طالما اعتُبرت من أبرز معاقل اليسار الفرنسي، وهو رهان يعكس حجم التحولات التي تعرفها الجغرافيا الانتخابية في الجنوب الفرنسي، حيث باتت الخريطة السياسية أكثر سيولة وانفتاحاً على تغير موازين القوى بين مختلف الأحزاب.
وفي جزيرة كورسيكا، التي سجلت أعلى نسب مشاركة على المستوى الوطني، تصدر في مدينة أجاكسيو المرشح ستيفان سبراجا بنسبة 37.2 بالمئة من الأصوات، متقدماً على جان بول كاروالاغي الذي حصل على 26.7 بالمئة، وعلى فرانسوا فيلوني الذي نال 18.9 بالمئة. أما في مدينة باستيا، فقد حل جيل سيميوني، رئيس الهيئة التنفيذية لكورسيكا، في المرتبة الأولى بنسبة 35.1 بالمئة، متقدماً على جوليان مورغانتي بنسبة 25.4 بالمئة، وعلى نيكولا باتيني بنسبة 16.9 بالمئة، في نتائج تعكس توازنات سياسية محلية معقدة في الجزيرة.
وعلى صعيد الأحزاب السياسية، أعلن الحزب الاشتراكي انتخاب أو إعادة انتخاب 343 عضواً من مرشحيه منذ الساعة الثامنة مساءً، في إشارة إلى استمرار قوة حضوره المحلي رغم التحولات التي شهدها اليسار الفرنسي خلال السنوات الأخيرة. وفي ما يتعلق بالتحالفات التي قد تحسم الدور الثاني، كشف استطلاع رأي أن 89 بالمئة من المقربين من حركة فرنسا الأبية يؤيدون التحالف مع الحزب الاشتراكي، في حين أن 36 بالمئة فقط من أنصار الحزب الاشتراكي يرحبون بهذا الخيار.
أما في معسكر اليمين، فقد أظهر الاستطلاع أن 64 بالمئة من مناصري حزب الجمهوريين يؤيدون التحالف مع حزب التجمع الوطني، في حين يفضل 69 بالمئة منهم التحالف مع الحركتين الداعمتين للرئيس ماكرون، وهما حركة النهضة أو حركة الآفاق. وتكشف هذه الأرقام عن انقسامات داخلية واضحة داخل معسكر اليسار حول مسألة التحالف مع حركة فرنسا الأبية، في مقابل ميل أكبر لدى اليمين نحو البراغماتية السياسية في بناء التحالفات.
وقد حرص كبار المسؤولين السياسيين على الإدلاء بأصواتهم في هذا الاستحقاق المحلي، في مشهد رمزي يعكس أهمية الانتخابات البلدية في الحياة السياسية الفرنسية. فقد أدلى الرئيس إيمانويل ماكرون بصوته في مدينة لو توكيه، فيما صوّت رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو في مدينة فيرنون بمنطقة نورماندي، حيث يترشح في المرتبة الثالثة على قائمة العمدة الحالي. كما أعلن لوكورنو فوز قائمته في مدينة فيرنون، في أول اختبار انتخابي يخوضه بصفته رئيساً للحكومة.
وتتواصل عمليات فرز الأصوات مع تدفق النتائج تباعاً من آلاف البلديات المنتشرة عبر كامل التراب الفرنسي، فيما سيظل المشهد النهائي ناقصاً إلى غاية اكتمال صورة الدور الأول بشكل كامل. وفي انتظار ذلك، يبقى الدور الثاني مقرراً يوم الأحد 22 مارس 2026، ولن يحق المشاركة فيه إلا للقوائم التي حصلت على 10 بالمئة على الأقل من الأصوات المعبر عنها في الدور الأول. وستحدد نتائج هذا الدور شكل التنافسات والتحالفات في المعركة الفاصلة التي ستعيد رسم خريطة الحكم المحلي في فرنسا للسنوات الست المقبلة، كما ستضع اللبنات الأولى لمعادلات السياسة الوطنية في أفق الانتخابات الرئاسية المرتقبة عام 2027.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
رئيس الجمهورية يترأس اجتماعًا لمجلس الوزراء لبحث قانون الدوائر الانتخابية واستيراد أضاحي العيد
ترأس رئيس الجمهورية، القائد الأعلى للقوات المسلحة وزير الدفاع الوطني، السيد عبد المجيد تبو…






