البنك الدولي يُشيد ويقرع الجرس… الجزائر في تحدي بناء اقتصاد الغد
تقدّمت الجزائر، خلال السنوات الأخيرة، بخطى حذرة لكن واثقة نحو إعادة رسم نموذجها الاقتصادي، مستندة إلى رصيد استراتيجي من المحروقات وخبرة مؤسساتية في إدارة الأزمات. غير أن تقريرًا حديثًا صادر عن البنك الدولي، جاء ليُشخّص التحديات المقبلة، داعيًا الجزائر إلى تسريع وتيرة التحول الاقتصادي، في ظل تراجع مرتقب لأسعار النفط والغاز على المدى المتوسط.
وفقًا لتقرير “آفاق أسواق السلع الأساسية” الصادر عن البنك الدولي، من المتوقع أن يستقر سعر برميل “برنت” عند 64 دولارًا سنة 2025، قبل أن يتراجع إلى 60 دولارًا في 2026، وهو ما يُعيد الأسعار إلى مستويات ما قبل الأزمة الصحية العالمية. هذه التوقعات تضع الدول المعتمدة على صادرات الطاقة أمام تحديات تمويلية واقتصادية جديدة، في مقدمتها الجزائر، التي نجحت حتى الآن في الحفاظ على توازناتها رغم ظروف السوق الصعبة.
رغم أن قطاع المحروقات ما زال يمثل ما يزيد عن 90٪ من عائدات الجزائر من العملة الصعبة، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت خطوات جادة نحو التنويع، من خلال دعم الصناعات التحويلية، وتحديث القطاع الفلاحي، وفتح مجالات جديدة أمام الاستثمار في السياحة، والتكنولوجيات الناشئة، والطاقات المتجددة.
البنك الدولي شدّد على أن تعزيز مناخ الأعمال، وتحقيق الشفافية، وتبسيط الإجراءات الإدارية، تُعدّ من الأولويات التي ستُمكّن الجزائر من تسريع نمو قطاعاتها غير النفطية، واستقطاب استثمارات نوعية تُساهم في خلق مناصب شغل مستدامة.
التحول العالمي نحو الطاقات النظيفة، لاسيما في أوروبا، يفرض على الجزائر تسريع وتيرة التكيّف مع المعايير البيئية الدولية. ويتعلق الأمر خاصة بآلية “تعديل الكربون على الحدود” (CBAM) التي أقرّها الاتحاد الأوروبي، والتي قد تُحدّ من ولوج المنتجات ذات البصمة الكربونية العالية إلى السوق الأوروبية.
غير أن الجزائر، بفضل موقعها الجغرافي، وشراكاتها الاستراتيجية، ومخزونها من الطاقة الشمسية، تملك قدرة تنافسية كبيرة لتكون فاعلًا محوريًا في السوق الطاقوية الجديدة، لا سيما في مجالات الهيدروجين الأخضر وتكنولوجيا الطاقة النظيفة.
أهم ما يميز المرحلة الحالية هو أن الجزائر تخوض هذا التحول من موقع قوة، مدعومة باحتياطي نقدي معتبر، ومستوى مديونية منخفض، وسياسات اجتماعية متماسكة. هذا ما يمنحها هامشًا للإصلاح دون أن تمس بمكاسب الاستقرار الاجتماعي.
ولذلك، يرى البنك الدولي أن الفرصة مواتية لتسريع الإصلاحات البنيوية، وتحويل الاقتصاد الوطني من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد إنتاجي متنوع، مع المحافظة على التماسك الاجتماعي والتوازنات الكبرى.
تقرير البنك الدولي لم يحمل تحذيرًا بقدر ما قدم تشخيصًا دقيقًا لفرصة تاريخية أمام الجزائر. ومع توافر الإرادة السياسية والموارد، يمكن للبلاد أن تُحقق نقلة نوعية، تعيد تموقعها الاقتصادي إقليميًا ودوليًا، وتؤسس لنموذج تنموي جديد يُلبّي تطلعات الأجيال المقبلة.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
13 سنة من المعاناة ومطالب بتدخل عاجل لوزير السكن.. من يتحمّل مسؤولية تعثّر مشروع “عدل 2” بالرحمانية؟
عاد ملف مشروع 10507 سكن بصيغة “عدل 2” بالرحمانية إلى الواجهة، بعد مراسلة رسمية وجّهتها الن…







