التشهير بالمفطرين… مسار خارج القانون
اعتدنا من محامٍ جزائري معروف، مع حلول كل شهر رمضان، على الخروج بتصريحات وأفكار تثير جدلًا واسعًا في المجتمع الجزائري، بل تحمل في بعض الأحيان منطقًا إقصائيًا غريبًا عن المرجعية الوطنية، وقد تكون له آثار خطيرة على السلم الاجتماعي. هذه السنة، وكما في سنوات سابقة، صدرت تصريحات علنية موثقة بالصوت والصورة عبر كاميرات الشروق نيوز، دعا فيها المحامي نجيب بيطام صراحة إلى التبليغ عن المفطرين علنًا في رمضان، بل وشجّع المواطنين على تصويرهم وإرسال الصور إلى مصالح الأمن، وكأننا أمام دعوة لإقحام الأجهزة الأمنية في مراقبة السلوك الديني الفردي.
هذه التصريحات ليست رأيًا عابرًا ولا اجتهادًا قانونيًا بريئًا، بل تطرح إشكالات قانونية جدية. فالدعوة إلى تصوير أشخاص بسبب سلوك ديني شخصي، وتحريض المواطنين على مراقبة بعضهم البعض، ثم توجيههم إلى إشراك مصالح الأمن في ذلك، تُثير شبهة التحريض والدعوة إلى الوشاية، ويمكن — بحسب السياق والنتائج — أن تُصنَّف ضمن أفعال محل مساءلة. وتزداد خطورة الطرح عندما يُقدَّم للرأي العام على أنه “حق قانوني”، وهو توصيف غير دقيق من زاوية الشرعية الجزائية.
ويستند هذا الخطاب عادة إلى المادة 144 مكرر من قانون العقوبات، وهي مادة ذات سياق خاص تعود جذورها إلى فترة حساسة من تاريخ البلاد، ولا تُفعَّل إلا بقرار قضائي، ولا تمنح بأي حال من الأحوال المواطنين صلاحية لعب دور الرقيب الديني أو فرض تأويلهم الخاص للشعائر. وقد استُعملت هذه المادة سابقًا في قضايا أثارت جدلًا واسعًا، من بينها متابعة باحث جزائري بسبب نقاشات دينية منشورة على مواقع التواصل، قبل أن يُطعن في الحكم وتُحال المسألة إلى الجهات المختصة للفصل في حدود التطبيق.
أما المادة 144 مكرر 2، فهي تتعلق بالاستهزاء أو الإهانة أو السخرية العلنية بشعيرة دينية، وهي جريمة ذات طبيعة قولية أو تعبيرية في الأساس. ولا يمكن تطبيقها آليًا على كل من أفطر علنًا، إذ يشترط ثبوت عنصر السخرية أو الإهانة. وعليه، فإن مجرد الأكل أو الشرب في مكان عام، دون خطاب عدائي أو سلوك استفزازي منظم، لا يُشكّل بذاته جريمة قائمة، وإلا وقعنا في تفسير توسّعي للنص الجزائي يخالف مبدأ التفسير الضيق للنصوص العقابية، وهو من ركائز العدالة الجنائية.
الأخطر أن هذا الخطاب يفتح الباب أمام شيطنة فئات كاملة من المجتمع الجزائري. فوفق هذا المنطق، قد يُستهدف الإباضيون، والمالكيون، وأتباع المذهب الحنفي، وكل من يلتزم بالمرجعية الدينية الوطنية، بل وقد يمتد الأمر ليشمل المرضى، وكبار السن، والأطفال، الذين يعفيهم الدين نفسه صراحة من الصيام، بدعوى أنهم لا يمارسون الشعيرة. وهذه المذاهب جميعها تأسست قبل أن يُولد البخاري نفسه، وقبل أن يتحول محمد بن عبد الوهاب، في خطاب بعض المتشددين، إلى “مرجعية وحيدة”، مع إقصاء أئمة معتبرين من القرون الأولى للإسلام. هذا منطق إقصائي لا علاقة له بالدين ولا بالقانون، ويهدد وحدة المجتمع وحق الاختلاف المشروع.
كما يطرح هذا الخطاب سؤالًا عمليًا ومنطقيًا، كيف يُصوَّر المفطر باعتباره عنصر استفزاز، بينما يعيش ملايين الجزائريين المسلمين في أوروبا وغيرها وسط مجتمعات متعددة الأديان، ولا يشعرون بأي استفزاز؟ في الثقافة المالكية، الصيام وسط المفطرين دليل على قوة الإيمان لا ضعفه. ثم لماذا لا يُستفز الصائم وهو يشتري الخبز والحلويات وقلب اللوز والزلابية في نهار رمضان؟ ولماذا يصبح “الاستفزاز” انتقائيًا، مرتبطًا فقط بسلوك مواطن آخر، لأي سبب كان؟ هذا منطق لا يستند إلى معيار قانوني أو ديني منضبط، بل يقوم على الوصم والضغط الاجتماعي.
الصيام، في جوهره، شعيرة دينية شخصية يُثاب أو يُحاسب عليها الإنسان يوم القيامة، ولا توجد في القرآن الكريم عقوبة دنيوية صريحة على الإفطار. بل إن الآية الكريمة في سورة البقرة تشير إلى الفدية في حالات معلومة. وبعض الجاليات المسلمة في الخارج تُطبّق هذا الحكم دون تجريم أو تشهير، ما يؤكد أن تحويل مسألة دينية فردية إلى ملف أمني يطرح إشكالًا قانونيًا وأخلاقيًا حقيقيًا.
إن الدعوة إلى التبليغ الجماعي، والتصوير، والوصم الاجتماعي، تُعد ممارسات مدانة قانونيًا وأخلاقيًا في المعايير المقارنة، وقد تُقارب ضمن التحريض والوشاية، لما لها من آثار محتملة على السلامة المعنوية والجسدية للأفراد وعلى السلم الاجتماعي. وتتضاعف حساسية هذه الدعوات عندما تصدر عن مهنيين يُفترض فيهم حماية الحقوق والحريات، لا الدفع نحو ممارسات قد تُقوّضها، أو إقحام مؤسسات الدولة في أدوار لم يُخوّلها لها القانون.
وما يرد في هذا المقال يندرج في إطار التحليل القانوني والنقد المشروع لتصريحات علنية موثقة، دون ادعاء صفة الاتهام أو إصدار أحكام قضائية. وخلاصة القول إن الخطاب محل النقاش، في التكييف القانوني، يثير إشكالات جدية تمسّ بدولة القانون وحدود الحريات الفردية، وقد يفضي — إذا ما تُرجم إلى أفعال — إلى نتائج لا تخدم السلم الاجتماعي، ولا تنسجم مع أدوار مؤسسات الدولة واختصاصاتها.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
سنوات الجمر… شهادة لا تُزوَّر يا حسين فهمي
خرج علينا الممثل المصري المعروف حسين فهمي، عبر أحد البودكاستات، بتصريحات مستفزة طعن فيها ف…






