التنظيم الإرهابي يدفع دانيال عمار صياد إلى الاستقالة… ملف إبستين يفضح علاقة “الماك” بالشبكات الشيطانية الدولية
لم يعد ملف جيفري إبستين يُقرأ، في ضوء المعطيات التي تكشّفت تباعاً، كقضية جنائية دولية معزولة أو كفضيحة أخلاقية محصورة في دائرة الأفراد، بل تحوّل إلى ملف كاشف لبنية شبكات نفوذ عابرة للحدود، وللآليات التي تعتمدها هذه الشبكات في توظيف الأشخاص والتنظيمات الهامشية من أجل تنفيذ أجندات تستهدف زعزعة استقرار الدول. وفي هذا السياق، عرّى الملف بشكل مباشر الواجهة الخارجية لحركة حركة الماك المصنّفة تنظيماً إرهابياً، وأسقط الخطاب الذي حاولت من خلاله تقديم نفسها كفاعل سياسي مستقل، ليكشف دورها الوظيفي كأداة ضمن منظومة شبكات دولية مظلمة تستثمر في الفوضى والضغط غير المباشر.
السبق الصحفي، الذي كشفته جريدة “المؤشر”، انتماء دانيال عمار صياد إلى التنظيم الارهابي “الماك” لم يكن نتيجة تفاعل ظرفي مع حدث إعلامي، بل خلاصة عمل تتبّعي طويل شمل مساره، وصفته، والأدوار التي اضطلع بها في النشاط الخارجي للتنظيم. هذا الكشف اكتسب خطورته الحقيقية مع ورود اسم صياد في وثائق ملف إبستين، إذ تحوّل من مجرّد عنصر ضمن شبكة انفصالية إلى حلقة تقاطع بين تنظيم مصنّف إرهابياً وشبكات دولية موصوفة بالعمل في الظل، ما جعل الملف يتجاوز البعد السياسي إلى مستوى الانكشاف الأمني.
دانيال عمار صياد شغل، خلال الفترة الممتدة بين سنتي ألفين وسبعة عشر وألفين وعشرين، صفة ممثل ما يُسمّى “الحكومة المؤقتة القبائلية الوهمية” في كل من المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، ومملكة البحرين. هذه الصفة، التي لا تستند إلى أي اعتراف قانوني أو دبلوماسي، وفّرت له غطاءً للتحرّك باسم كيان وهمي داخل فضاءات إقليمية حساسة ذات ثقل سياسي واقتصادي، وسمحت للتنظيم ببناء قنوات اتصال خارج الأطر الرسمية، بعيداً عن أي مساءلة مباشرة. اختيار هذه الدول لم يكن اعتباطياً، بل ينسجم مع استراتيجية تستهدف النفاذ إلى بيئات مؤثرة، واستغلال الهامش المتاح فيها عبر واجهات غير رسمية.
هذا النمط من التموقع الخارجي ينسجم، وفق معطيات متداولة، مع أساليب معروفة لدى شبكات نفوذ دولية تعمل خارج الأطر القانونية، وتستخدم حركات انفصالية وكيانات غير معترف بها كأدوات ضغط غير مباشر. فبدلاً من المواجهة المباشرة مع الدول، تُستعمل هذه التنظيمات كواجهات محلية لتمرير رسائل، وتأليب الرأي العام الخارجي، وإرباك الاستقرار الداخلي عبر قضايا الهوية والانفصال. وفي هذا السياق، تندرج حركة “الماك” ضمن منظومة أوسع من الأدوات الوظيفية التي تُحرَّك وتُضبط وفق الحاجة.
تفجّر ملف إبستين شكّل نقطة تحوّل حاسمة. فالمعطيات المنشورة حول الملف كشفت عن شبكات استغلال ونفوذ عابرة للحدود، تعتمد على وسطاء ومجنّدين وأشخاص ذوي مسارات هشّة أو مزدوجة، وتتحرك في مناطق رمادية بين المال، النفوذ، والجريمة المنظمة. ورود اسم دانيال عمار صياد داخل هذا الملف، بالتوازي مع نشاطه باسم “الماك”، أسقط أي محاولة للفصل بين المسارين، وكشف أن التنظيم كان جزءاً من محيط تتحرّك فيه شبكات موصوفة دولياً بالظلامية والاستغلال.
أمام هذا الانكشاف، تحرّكت قيادة التنظيم بسرعة لاحتواء الضرر. دانيال عمار صياد دُفع إلى إعلان “الانسحاب” من أي نشاط داخل “الماك”، في رسالة موجّهة إلى فرحات مهني بصفته رئيس ما يُسمّى “أنڤاد”. الرسالة صيغت بلغة دفاعية، ركّزت على “حماية صورة الحركة”، ونفت أي مسؤولية قانونية في الملف الجنائي. غير أن التوقيت، المتزامن بدقّة مع تصاعد المتابعة الدولية لقضية إبستين، يؤكد أن الخطوة جاءت كإجراء تنظيمي اضطراري، لا كخيار شخصي مستقل.
في محاولة لتقليص التداعيات، سارعت رئاسة “أنڤاد” إلى التوضيح بأن صياد لم يعد يشغل أي منصب داخل الحركة منذ سنة ألفين وعشرين، وأن التنظيم غير معني بنشاطاته المهنية أو بعلاقاته الخارجية. هذا التوضيح، رغم وروده، لا يجيب عن الأسئلة الجوهرية التي فجّرها الملف، والمتعلقة بكيفية اختيار واجهات خارجية بهذه الخلفيات، وبطبيعة الشبكات التي تحرّك داخلها ممثلو التنظيم باسم كيان وهمي، وبحدود التقاطع بين مشروع انفصالي وشبكات دولية مظلمة.
ورغم عدم صدور أحكام قضائية نهائية بحق دانيال عمار صياد في الشق الجنائي المرتبط بملف إبستين، فإن الوقائع الثابتة المرتبطة بانتمائه السابق إلى تنظيم مصنّف إرهابياً، وتولّيه مهام خارجية باسم كيان غير معترف به، ثم التضحية به فور تحوّله إلى مصدر تهديد، تكشف نمط اشتغال قائماً على توظيف الأشخاص كواجهات مؤقتة، ثم التخلي عنهم عند أول انكشاف.
بهذا المعنى، لم يفضح ملف إبستين مسار شخص واحد فحسب، بل عرّى تنظيماً كاملاً، وأسقط الغطاء عن وظيفته الحقيقية كأداة ضمن شبكات دولية شيطانية تستثمر في عدم الاستقرار، وتُستعمل لضرب الدول التي تتمسّك بسيادتها ووحدة أراضيها، وفي مقدّمتها الجزائر. وهو ما يفسّر التحرك السريع لعزل إحدى الحلقات فور سقوطها، في محاولة متأخرة لإخفاء ما تبقّى من الارتباطات التي باتت اليوم أكثر وضوحاً للرأي العام.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
مقراني يكشف عن مخطط وطني شامل لضبط السوق وضمان وفرة المواد خلال رمضان
كشف المدير العام لضبط وتموين السوق الوطنية وتنظيمها بوزارة التجارة الداخلية، السيد أحمد مق…






