‫الرئيسية‬ الأولى الجبهة الداخلية أقوى سلاح الجزائر
الأولى - الافتتاحية - الوطني - 27 سبتمبر، 2025

الجبهة الداخلية أقوى سلاح الجزائر

الجبهة الداخلية أقوى سلاح الجزائر
لم يكن حديث رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، في لقائه الإعلامي الدوري مجرد استعراض لأرقام أو تذكير ببرامج حكومية، بل جاء كرسالة سياسية واضحة، مستقبل الجزائر مرهون بصلابة جبهتها الداخلية. فالحوار الوطني، الذي جدد الرئيس الدعوة إليه، ليس موعداً سياسياً عادياً، بل هو لحظة تأسيسية لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، ولإشراك كل القوى الحية في رسم معالم جمهورية قوية، ديمقراطية، وعصرية.

الرئيس وضع شرطاً جوهرياً لانطلاق الحوار، تحديد صيغ تنظيمه وآلياته، حتى لا يكون مجرد تظاهرة كلامية، بل فضاء حقيقياً للتشاور والتوافق. وهو بذلك يضع النخبة السياسية أمام مسؤولياتها، فالتعددية الحزبية – كما أكد – ضرورية في أي دولة ديمقراطية، والحوار مع الأحزاب “إلزامي”، لكن بشرط أن يكون بنّاءً ومسؤولاً. هنا يبرز ملف قانون الأحزاب، الذي تعطل في البرلمان ولم يناقشه سوى حزبين أو ثلاثة، وهو ما يوضح حجم الخلل في الحياة السياسية. إصلاح هذا الوضع يعدّ مفتاحاً لتجديد العمل الحزبي وضمان أن يكون الحوار الوطني جامعاً بحق.

لكن تقوية الجبهة الداخلية لا تُبنى على السياسة وحدها. فالرئيس ذكّر بأن الأمن الاجتماعي والاقتصادي يشكلان صلب عمل الدولة. الأرقام التي عرضها ليست بسيطة: ثلث سكان الجزائر يستفيدون من مجانية التعليم، منح البطالة بلغت أكثر من 23 ألف دينار، والحكومة تستعد لزيادات جديدة في الأجور ومنح الطلبة والمتقاعدين بدءاً من 2026. هذه القرارات، كما أوضح، جزء من خطة مرقمة تمتد حتى 2027، وهي محاولة لترسيخ قناعة لدى المواطن بأن الدولة لا تكتفي بالشعارات، بل تلتزم ببرامج ملموسة.

وفي قلب هذا المسار، تبرز الفلاحة العصرية كركيزة استراتيجية. الرئيس شدد على أن الجزائر باتت قريبة من تحقيق الاكتفاء الذاتي في القمح الصلب، بفضل دعم الدولة ومشاريع كبرى مع شركاء من قطر وإيطاليا والسعودية. أما مشروع “بلدنا” مع الشريك القطري لإنتاج مسحوق الحليب، فسيكون، عند اكتماله في 2028، ثورة في الأمن الغذائي الوطني، إذ يضمن تلبية الطلب المحلي ويفتح آفاق التصدير. هذه الخطوات تؤكد أن الجزائر لم تعد ترى في الفلاحة قطاعاً ذا طابع اجتماعي فحسب، بل قاطرة اقتصادية حقيقية.

وفي المقابل، أعلن الرئيس معركة أخرى لا تقل أهمية، معركة الرقمنة. بنبرة حاسمة وصف معارضيها بـ”الخفافيش”، مؤكداً أنه سيتخذ إجراءات جذرية إذا لم تكتمل قبل نهاية 2025. فالرقمنة، كما أوضح، ليست مجرد تحديث إداري، بل وسيلة لمحاربة الفساد والاقتصاد الموازي والتصريحات الكاذبة في سوق العقار، وأداة لرفع قيمة الدينار عبر التحكم في التضخم والأسعار. إنها، كما قال، “معركة نكون أو لا نكون”.

على الصعيد الخارجي، جاءت مواقف الرئيس لتؤكد ثبات الجزائر على ثوابتها الدبلوماسية. فالقضية الفلسطينية، بالنسبة له، محسومة، “الدولة الفلسطينية قائمة لا محالة على حدود 1967 والقدس الشريف عاصمتها”. هذا الموقف، الذي دافعت عنه الجزائر في القمم العربية وفي الأمم المتحدة، يعكس تمسكها بدورها التاريخي كمدافع عن القضايا العادلة. وفي الوقت نفسه، دعا الرئيس إلى إصلاح المنظومة الأممية وضمان تمثيل عادل لإفريقيا، مذكراً بأن انتخاب الجزائر للمرة الرابعة في مجلس الأمن دليل على مكانتها الدولية.

أما في محيطها الإقليمي والإفريقي، فقد أكد الرئيس متانة العلاقات مع تونس وموريتانيا، وحرص الجزائر على دعم التنمية الإفريقية عبر المؤسسات الناشئة، مبرزاً أن بلاده احتضنت أكثر من 10 آلاف مؤسسة من هذا النوع، بعضها وصل إلى البورصة وأسهم في تطوير الصناعة. وهنا يتجلى الوجه الجديد للجزائر، دولة تقدم نفسها كقاطرة للتنمية لا كدولة متقوقعة على حدودها.

لكن، ورغم كل هذه المكاسب، فإن الرئيس لم يُخف أن الجزائر مستهدفة، لأن استقلالية قرارها وسيادتها الكاملة لا ترضي بعض الأطراف. لذلك دعا الجزائريين إلى التضامن والتجند ضد محاولات زرع الفوضى والإشاعات. وهو بذلك يعيد التأكيد على أن الوحدة الوطنية هي خط الدفاع الأول، وأن قوة الجزائر الحقيقية تكمن في تماسك جبهتها الداخلية، وليس فقط في قدراتها الاقتصادية أو الدبلوماسية.

إن الجزائر اليوم تدخل مرحلة جديدة عنوانها الحوار الوطني والإصلاح الشامل، لكن نجاح هذا المسار يبقى مرهوناً بوعي شعبها، والتفافه حول مشروع وطني جامع. فالجبهة الداخلية، التي دعا الرئيس إلى تحصينها، ليست مجرد شعار، بل هي أقوى سلاح تمتلكه البلاد لمواجهة التحديات، وبناء جمهورية عصرية ديمقراطية لا تتزعزع أمام المؤامرات ولا تنكسر أمام الضغوط.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

رئيس الجمهورية يطلق إصلاحات هيكلية في المكننة الفلاحية

ترأس اليوم رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، اجتماع عمل خُصّص لملف المكننة الفلاحية، …