‫الرئيسية‬ الأولى الجزائر… بلد المفارقات!
الأولى - الحدث - الوطني - ‫‫‫‏‫يوم واحد مضت‬

الجزائر… بلد المفارقات!

الجزائر… بلد المفارقات!
ليست المفارقة في الجزائر حادثًا عابرًا، بل باتت، مع مرور الوقت، مرآة دقيقة لاختلالات عميقة في منطق التنفيذ، لا في منطق القرار. فحين تُطلق الدولة مشروعين في الزمن نفسه تقريبًا، وتحت العهدة الرئاسية ذاتها، وبالحكومة نفسها، ثم ينتهي أحدهما إلى إنجاز تاريخي، بينما يتحول الآخر إلى أزمة اجتماعية مفتوحة، يصبح السؤال مشروعًا، بل واجبًا، أين يكمن الخلل، ومن المسؤول عن تحويل الإمكان إلى تعثّر؟

من جهة، مشروع غار جبيلات. ذلك الحلم الذي ظل لعقود حبيس الخطابات والدراسات، خرج إلى الواقع بوتيرة غير مسبوقة. في أقل من عامين، شُيِّدت سكة حديدية تمتد على نحو 950 كيلومترًا، في عمق الصحراء، وسط ظروف مناخية قاسية وتحديات تقنية ولوجستية معقدة. قطار وصل، منجم انطلق، وقدرات إنتاجية عالمية أصبحت حقيقة ملموسة. مشروع ثقيل من حيث الكلفة والحجم، لكنه أُنجز بعقلية الدولة التي تُحدد الهدف، وتفرض الآجال، وتُتابع التنفيذ دون هوادة.

في الجهة المقابلة، وعلى بعد كيلومترات فقط من مركز القرار، يقف مشروع «عدل 2» بالرحمانية، في المدينة الجديدة سيدي عبد الله، كعنوان لمفارقة موجعة. عمارات قائمة، أشغال متعثرة، وملف مفتوح منذ أكثر من عشر سنوات. آلاف العائلات عالقة بين أقساط تُدفع بانتظام، وإيجارات تستنزف القدرة الشرائية، وانتظار بلا رزنامة واضحة ولا آجال مُلزِمة. مشروع سكني اجتماعي، يفترض أن يكون في صلب الأولويات، تحوّل إلى مصدر قلق دائم وأزمة اجتماعية صامتة.

والمفارقة هنا مضاعفة، لأن وكالة تحسين السكن وتطويره «عدل» أُنشئت أصلًا لهذا الغرض تحديدًا، بناء سكنات البيع بالإيجار، كآلية اجتماعية تهدف إلى تمكين الفئات المتوسطة من السكن الكريم، بعيدًا عن منطق المضاربة أو الامتيازات. لم تُؤسَّس «عدل» لتكون فاعلًا في السكن الترقوي، ولا لتنافس الخواص في مشاريع النخبة، بل لتكون ذراع الدولة في معالجة أزمة السكن الاجتماعي بصيغة متوازنة تجمع بين الدعم والمسؤولية.

غير أن الواقع الميداني يعكس انقلابًا في الأولويات. فبينما تُسجَّل التزامات صارمة واحترام للآجال في مشاريع ذات طابع ترقوي، مثل تلك المنجزة في باب الزوار أو سعيد حمدين وغيرها، نلاحظ تساهلًا غير مفهوم في مشاريع «عدل» التي تمسّ آلاف العائلات. السكن الترقوي يُدار بعقلية استثمارية صارمة لا تقبل التأخير، في حين يُترك سكن البيع بالإيجار، الذي أُنشئت الوكالة من أجله أصلًا، رهينة الوعود والتمديدات غير المحددة.

هذا الخلل لا يمكن فصله عن البعد السياسي والاجتماعي للملف. فالرئيس عبد المجيد تبون لم يُخفِ يومًا أن السكن يشكّل حجر الزاوية في الحفاظ على الأسرة الجزائرية والاستقرار الاجتماعي. هذا الاهتمام لم يكن خطابًا فقط، بل رافقته برامج وتمويلات وقرارات واضحة. الرئيس يزرع الأمل في خطابه، ويبعث برسائل طمأنة إلى الجزائريين بأن الدولة لن تتخلى عن حقهم في السكن.

لكن الإشكال يبدأ حين لا تُترجم هذه الإرادة السياسية بنفس الصرامة على مستوى التنفيذ. فالأمل الذي يُزرَع في أعلى هرم الدولة، يتحوّل، عند مستوى بعض المؤسسات، إلى انتظار طويل، ثم إلى يأس صامت. وهنا تصبح المفارقة مؤلمة، الدولة قادرة على شقّ الصحراء بالحديد، لكنها تعجز عن فرض رزنامة شفافة في مشروع سكني اجتماعي داخل العاصمة.

الأخطر من التأخير ذاته، هو ما يولّده من إحساس باللاعدالة. حين يرى المواطن أن المؤسسة التي أُنشئت لخدمته تُعطي الأولوية لغيره، تتآكل الثقة تدريجيًا. وحين يُنجَز السكن الترقوي بدقة، بينما يراوح سكن «عدل» مكانه، تتكرّس قناعة بأن الخلل ليس تقنيًا، بل في ترتيب الأولويات.

الجزائر التي أنجزت غار جبيلات، قادرة دون شك على إنهاء «عدل 2» بالرحمانية. الإمكانيات موجودة، والإرادة السياسية مُعلنة. ما ينقص هو أن تُستعاد فلسفة إنشاء «عدل» نفسها، وأن يُعاد الاعتبار لمهمتها الأصلية، وأن يُدار سكن البيع بالإيجار بنفس الصرامة التي يُدار بها أي مشروع استراتيجي آخر.

لأن السكن الاجتماعي ليس ملفًا ثانويًا، ولأن الأسرة الجزائرية لا تعيش بالخطابات وحدها. الأمل الذي يزرعه رئيس الجمهورية يحتاج إلى مؤسسات تحميه، لا ممارسات تُحوّله إلى يأس. وفي بلد قادر على نقل القطار 950 كيلومترًا، لا يجوز أن يبقى مفتاح شقة رهينة الانتظار المفتوح.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

تفكيك شبكات دولية وحجز أزيد من 4,3 ملايين قرص مهلوس و8 قناطير من المخدرات

واصلت وحدات الجيش الوطني الشعبي، بمختلف مكوناته، توجيه ضربات موجعة لشبكات الجريمة المنظمة …