‫الرئيسية‬ الأولى الجزائر بين السيادة الحقيقية وصراخ الجوار المرتبك

الجزائر بين السيادة الحقيقية وصراخ الجوار المرتبك

الجزائر بين السيادة الحقيقية وصراخ الجوار المرتبك
تُشنّ هذه الأيام حملة إعلامية منسّقة، تقودها أبواق دعائية تابعة لنظام المخزن، تستهدف الجزائر ومواقفها السيادية الثابتة، من خلال تكرار أسطوانة مشروخة مفادها أن الجزائر تبيع الغاز لفرنسا بينما يعاني شعبها من الفقر. هذه الحملة، التي تتّشح برداء “النقد الاقتصادي” ظاهريًا، تخفي خلفها حالة ارتباك سياسي وإفلاس أخلاقي لا يمكن تمويهها بخطاب دعائي متهافت.

فحين تتحوّل قنوات إعلامية إلى أدوات هجومية لا شاغل لها سوى الإساءة للجزائر، وحين يُكرّس جزء كبير من التغطيات للتحريض والتهويل والتشكيك في الخيارات الاقتصادية الجزائرية، فإن المسألة لم تعد مجرد رأي أو تحليل، بل أصبحت جزءًا من استراتيجية دعائية تُدار من غرف مظلمة، وتستهدف ضرب صورة الجزائر خارجيًا، والتشويش على رأيها السيادي الحر في القضايا الإقليمية والدولية.

إن تصدير الجزائر للغاز الطبيعي، سواء إلى فرنسا أو إلى غيرها من دول العالم، يتم في إطار عقود سيادية مدروسة، وضمن استراتيجيات طاقوية وطنية طويلة المدى. الجزائر لم تُخفِ يومًا أنها شريك طاقوي مهم في الحوض المتوسطي، ولم تبنِ سياساتها على ردود فعل انفعالية أو حسابات ظرفية ضيقة، بل على مبدأ الاستقلال الاقتصادي وتحقيق المصلحة الوطنية.

أما الادّعاء بأن استمرار التصدير إلى بعض الدول الأوروبية، رغم التوترات الدبلوماسية، يُعدّ “تناقضًا سياسيًا”، فهو قراءة سطحية تتجاهل أبسط قواعد العلاقات الدولية. فبين الخلاف السياسي والتعاون الاقتصادي مساحات رمادية تحفظها الأعراف الدبلوماسية والمصالح المتبادلة، ولا يُلغى أحدها بالآخر. الفرق فقط أن الجزائر، في كل الحالات، تُفاوض بشروطها، وتُبرم تعاقداتها من موقع قوة، لا من موقع تبعية.

ما يثير السخرية في الحملة الإعلامية الجارية هو أن من يُزايد اليوم على السيادة الجزائرية، هو نفسه من فرّط في مفاصل قراره الوطني منذ سنوات؛ تطبيعًا مع العدو، وتوقيعًا لاتفاقيات مذلة، وفتحًا للأبواب أمام الاستخبارات الأجنبية، واستسلامًا لشروط صندوق النقد والمؤسسات المالية العالمية. السيادة لا تُقاس بالشعارات، بل بالقرارات؛ ولا تُختزل في الخطاب الإعلامي، بل تُترجم على الأرض استقلالًا حقيقيًا في المواقف والسياسات.

الجزائر، منذ الاستقلال، لم تفرّط في قرارها. لم تدخل في أحلاف مشبوهة، ولم توقّع اتفاقيات إذعان، ولم ترتهن ثرواتها لإملاءات المؤسسات الدولية. وحتى في أصعب فترات أزمتها الداخلية، احتفظت لنفسها بحدود القرار، ورفضت الخضوع أو التنازل عن مبادئها.

أن يُستخدم الوضع الاقتصادي للجزائر كورقة دعائية في خطاب موجه للرأي العام المغاربي، فذلك يُعدّ دليلاً آخر على الضحالة الأخلاقية لأبواق المخزن. نعم، الجزائر تواجه تحديات اقتصادية، وتعيش آثار أزمة مركّبة تراكمت عبر عقود. لكن الجزائر لا تبيع أوهامًا لمواطنيها، ولا تُجمّل واقعًا بأكاذيب، بل تسعى إلى تجاوز الصعوبات بإصلاحات حقيقية ومبادرات سيادية تُبنى من الداخل. أما من يتهم الجزائر بـ”الفقر”، فعليه أن ينظر إلى بيته أولًا. فالمؤشرات الاجتماعية والاقتصادية لا تكذب، نسب البطالة، وحجم المديونية، والاحتجاجات الشعبية المتكررة، وهجرة الأطباء والمهندسين، كلّها دلائل على أزمة بنيوية يعيشها بلد يحكمه نظام لا يُعترف له في الداخل إلا بالبذخ والبروتوكول، ولا يُحترم في الخارج إلا بقدر انبطاحه أمام شروط التطبيع.

المؤسف أن تتحوّل الصحافة، التي يُفترض أن تكون صوت الشعوب ومرآة الحقيقة، إلى مجرّد بوق مأجور، يُستخدم للإساءة إلى الجار، وتوجيه الضربات المسمومة ضد بلد عرف عنه وقوفه الدائم مع الشعوب، من فلسطين إلى الصحراء الغربية. هذا السقوط المهني لا يسيء للجزائر، بل يكشف عمق الأزمة الأخلاقية التي يعيشها الإعلام المُوجّه والمُلقَّن. الإعلام لا يُبنى بالكذب، ولا يُستعمل كأداة انتقام سياسي، ومن يقحم الجزائر في معاركه الداخلية، لن يربح سوى المزيد من فقدان المصداقية أمام شعبه أولًا، وأمام المجتمع الدولي ثانيًا.

في الوقت الذي يُزايد فيه البعض بالشعارات، تواصل الجزائر بهدوء وثبات إعادة بناء منظومتها الاقتصادية، وتنويع شركائها، وتثبيت مواقفها الدولية من قضايا جوهرية تمسّ شعوب المنطقة. وهي، في ذلك، لا تبحث عن إعجاب أحد، ولا تستجدي شهادة من جهة، بل تمضي في طريقها مدفوعة بثقة شعبها وبوصية شهدائها. فمن سلّم مفاتيح سيادته للاحتلال، وتخلى عن قضاياه العادلة، وتنازل عن قراره الحر مقابل صورة عابرة على بوابة الكيان الصهيوني، لا يحق له أن يتحدث عن سيادة الجزائر.

الجزائر ليست دولة كاملة، لكنها دولة ذات كرامة. لها أخطاؤها، نعم؛ لكن لها أيضًا إرث نضالي لا يملك خصومها أن ينالوا منه، مهما سخّروا من أبواق ودفعوا من أموال. وستبقى، رغم الضجيج، واقفة بشموخ، تقرّر مصيرها بنفسها، وتكتب حاضرها ومستقبلها بأيدي أبنائها.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

فرنسا تستعد لإعادة أسلحة للأمير عبد القادر إلى الجزائر

كشفت تقارير إعلامية وتصريحات لمؤرخين فرنسيين عن اقتراب إعادة مجموعة من الأسلحة التاريخية ا…