‫الرئيسية‬ الأولى الجزائر خارج مرمى التصعيد… والكيان الصهيوني يواجه عواقب مغامرته في إيران
الأولى - مقالات - 19 يونيو، 2025

الجزائر خارج مرمى التصعيد… والكيان الصهيوني يواجه عواقب مغامرته في إيران

الجزائر خارج مرمى التصعيد… والكيان الصهيوني يواجه عواقب مغامرته في إيران
في خضم التصعيد الخطير بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والكيان الصهيوني، تتصاعد في بعض الأوساط الإعلامية والسياسية، داخل المنطقة وخارجها، دعوات غريبة تدعو إلى توسعة دائرة التصعيد، لتشمل دولًا لم تكن طرفًا فيه، وعلى رأسها الجزائر. وبينما يتلقى الكيان الصهيوني ضربات مؤلمة من إيران، وتُكشف هشاشة منظوماته الدفاعية على العلن، يخرج من بين الركام الإعلامي خطاب تطبيعي مشبوه، يُنادي بنقل هذه الحرب إلى الجزائر، وكأن الجزائر بلد بلا سيادة، أو هدف سهل في زمن السيادة المعقّدة.

تصاعد هذا الخطاب بالتوازي مع الهزات المتتالية التي تلقاها الكيان الصهيوني، عقب ردّ إيران المباشر على أراضيه، وهو ما يُعدّ سابقة في تاريخ المواجهات الحديثة. الرد الإيراني لم يكن مجرد استعراض صاروخي، بل تحوّل إلى نقطة فاصلة أسقطت مفاهيم التفوق العسكري التقليدي، ووضعت حدودًا جديدة لمنطق الردع في المنطقة. وهنا، وسط ارتباك المؤسسة العسكرية الصهيونية، بدأت بعض الأبواق التابعة لما يُعرف بالنظام المروكي، وكذلك بعض الأصوات اليمينية الأوروبية والصهيونية المتطرفة، تروّج لوهم خطير، أن الكيان الصهيوني قادر أو معني بضرب الجزائر.

هذا الوهم الاستراتيجي يكشف جهلًا مركبًا بمعادلات القوة في شمال إفريقيا. فالنظام المغربي، الذي انساق وراء التطبيع الكامل مع الكيان الصهيوني، كان يراهن على تحويل هذا الحلف إلى مظلة أمنية تغطيه إقليميًا. وقد ذهب في هذا الرهان إلى حدّ الاعتقاد بأن الكيان الصهيوني قد يفتح جبهة مع الجزائر، نيابة عنه، لتنفيذ ما عجزت عنه الرباط سياسيًا وأمنيًا وحتى دعائيًا. لكن الأحداث الميدانية الحالية أجهضت هذا الوهم، وأكدت أن الكيان الصهيوني بالكاد يستطيع استيعاب تداعيات المواجهة مع إيران، فكيف له أن يفتح جبهة ثانية مع بلد بحجم الجزائر؟

في حديث خاص، عبّر أحد المهتمين بالشأن المغاربي عن أن النظام المروكي اليوم “يبكي دمًا” – بتعبيره – لأن حلمه القديم بأن يقوم الكيان الصهيوني بدور الهجوم على الجزائر بدأ يتلاشى مع انكشاف حسابات الردع الجديدة. فالجغرافيا لا تخدم هذا السيناريو، الجزائر لا تحتاج لعبور آلاف الكيلومترات للردّ على أي اعتداء من الكيان، بل هي قريبة بما يكفي لتكون قادرة على الردّ المباشر والدقيق. كما أن الجزائر، بموقعها الاستراتيجي المقابل لدول جنوب أوروبا، تجعل من أي مغامرة عسكرية ضدها تهديدًا لأمن المتوسط برمّته، وهو ما يُربك حسابات كل من يغامر بذلك.

التهديد باستخدام السلاح النووي، الذي يتردد في بعض المحافل الصهيونية، لا يصمد أمام أبسط قواعد الجغرافيا. استخدام سلاح نووي ضد الجزائر يعني تلويثًا شاملًا لمنطقة المتوسط، بما في ذلك سواحل الكيان الصهيوني نفسه، في حال تحركت الرياح نحو الشرق كما حدث في كارثة تشيرنوبيل. فالإشعاع الناتج عن أي انفجار نووي لن يعرف حدودًا، وسيتحوّل إلى كارثة بيئية تمسّ كل الدول المجاورة، فرنسا، إيطاليا، إسبانيا، اليونان، تركيا، قبرص، وشمال إفريقيا بالكامل. إنه خيار انتحاري لا يملكه الكيان إلا في حسابات الجنون.

في مقابل ذلك، تُدرك الجزائر تمامًا معنى السيادة. فدورها التاريخي في مناهضة الاستعمار، وتمسكها بمبدأ عدم الانحياز، ورفضها الانجرار وراء سياسات المحاور، يجعلها هدفًا دائمًا لحملات التشويه، لكن ليس هدفًا حقيقيًا لأي عدوان. لأن كل من يُفكر في استهدافها عليه أن يُجري حسابات دقيقة للرد، وللأثر، وللتكلفة.

الكيان الصهيوني، بعد مغامرته غير المحسوبة مع إيران، يعيش أسوأ لحظاته منذ 1948. فما بني على فكرة “الدولة الآمنة لليهود” بات اليوم مهددًا بالانهيار النفسي قبل العسكري. الرد الإيراني كسر الخطوط الحمراء، وأدخل الردع الصاروخي في عمق العمق. وفي هذا السياق، يصبح من العبث التفكير في تكرار نفس الخطأ مع دولة بحجم الجزائر.

ليس من مصلحة أي طرف في المنطقة أو خارجها أن يُفتح جرح جديد في شمال إفريقيا. والجزائر، رغم التهديدات والحملات، لم تُعرف يومًا بأنها دولة معتدية، لكنها تحتفظ دائمًا بحق الرد السيادي، بكل الوسائل المشروعة، وفي التوقيت الذي تراه مناسبًا. إن من يحاول استدراج الجزائر إلى ساحة صدام مباشر، يراهن على وهم، لأن الوقائع أثبتت أن الجزائر تملك من الحكمة ما يُجنّبها الانجرار، لكنها أيضًا تملك من القوة ما يردع من يعتدي.

في النهاية، من يظن أن الكيان الصهيوني قادر على خوض حرب مفتوحة ضد الجزائر، بعد تورطه العسكري في إيران، فهو لا يُجيد قراءة الجغرافيا ولا ميزان الردع. أما من يحلم – كما يفعل النظام المغربي – بأن تلعب تل أبيب دور الوكيل الحربي، فهو لا يفهم أن زمن الوصاية انتهى، وأن الجزائر اليوم أقوى بموقعها، ومبدئيتها، وتماسك شعبها، لا بسلاحها فقط. الجزائر لا تُستهدف لأنها خط أحمر… ولا تُخيفها الصواريخ، لأنها تعرف جيدًا متى ترد.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

روسيا تضرب أوكرانيا بصواريخ «أوريشنيك» وتوجّه إنذارًا مباشراً للغرب

قصفت روسيا منشأة لإنتاج الطائرات المسيّرة داخل الأراضي الأوكرانية، باستعمال صاروخ «أوروشني…