‫الرئيسية‬ الأولى الجزائر وإيطاليا تعيدان رسم معادلة المتوسط
الأولى - الحدث - الوطني - ‫‫‫‏‫5 دقائق مضت‬

الجزائر وإيطاليا تعيدان رسم معادلة المتوسط

الجزائر وإيطاليا تعيدان رسم معادلة المتوسط
شكّلت زيارة العمل والصداقة التي قامت بها رئيسة مجلس الوزراء الإيطالي جورجيا ميلوني إلى الجزائر، يوم الأربعاء 25 مارس 2026، محطة دبلوماسية بارزة تؤكد التحول النوعي الذي تشهده العلاقات الجزائرية–الإيطالية خلال السنوات الأخيرة، في ظل سياق دولي معقد يتسم بتصاعد التوترات الجيوسياسية، وتزايد التحديات المرتبطة بأمن الطاقة والاستقرار الإقليمي، وهو ما منح هذه الزيارة بعداً استراتيجياً يتجاوز الطابع البروتوكولي التقليدي للزيارات الرسمية.

وقد استُهل برنامج الزيارة باستقبال رسمي خص به رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون ضيفته الإيطالية بمقر رئاسة الجمهورية، في مراسم رسمية عكست عمق العلاقات الثنائية، قبل أن يجري الطرفان محادثات على انفراد تناولت أهم الملفات ذات الاهتمام المشترك، لتتوسع لاحقاً إلى جلسة عمل موسعة ضمت أعضاء وفدي البلدين، حيث تم التطرق بشكل تفصيلي إلى واقع التعاون القائم، واستعراض الحصيلة المحققة، إلى جانب رسم آفاق مستقبلية لشراكة متعددة الأبعاد.

وخلال التصريح الإعلامي المشترك، عبّر رئيس الجمهورية عن ارتياح الجزائر وإيطاليا لما تحقق من تقدم ملموس في مسار التعاون الثنائي، مشيراً إلى أن هذه العلاقات شهدت تطوراً لافتاً، سواء من حيث حجم المبادلات الاقتصادية أو مستوى التنسيق السياسي، كما أبرز وجود تقارب ملحوظ في المواقف إزاء عدد من القضايا الإقليمية والدولية، وهو ما يعكس، حسب تعبيره، مستوى متقدماً من الثقة والتفاهم بين البلدين.

وأكد رئيس الجمهورية في هذا السياق أن الشراكة الجزائرية–الإيطالية تكتسي طابعاً استراتيجياً حقيقياً، خاصة في مجال الطاقة، مبرزاً التزام الجزائر بالوفاء بتعهداتها كشريك موثوق لإيطاليا ولأوروبا عموماً، في ظل التحديات المرتبطة بأمن الإمدادات واستقرار أسواق الطاقة العالمية، وهي مسألة أصبحت تحظى بأولوية قصوى في السياسات الاقتصادية الأوروبية في السنوات الأخيرة.

غير أن هذا التعاون لم يعد مقتصراً على قطاع المحروقات، بل توسع ليشمل مجالات استراتيجية أخرى، من بينها الطاقات المتجددة، خاصة الهيدروجين الأخضر، الذي يمثل أحد أهم رهانات التحول الطاقوي العالمي، إضافة إلى دعم المؤسسات الناشئة، وتطوير التكنولوجيات الحديثة، وتعزيز التكوين والبحث العلمي، فضلاً عن تطوير الفلاحة المبتكرة وتحقيق الأمن الغذائي، وهي مجالات تعكس توجه البلدين نحو بناء شراكة قائمة على تنويع الاقتصاد وتعزيز القيمة المضافة.

وفي هذا الإطار، تم التطرق إلى المشاريع المشتركة التي يجري تنفيذها ضمن ما يُعرف بخطة “ماتيي” الإيطالية الموجهة نحو القارة الإفريقية، حيث أشاد رئيس الجمهورية بوتيرة تنفيذ مشروع استصلاح الأراضي الصحراوية في ولاية تيميمون لإنتاج الحبوب والبقوليات، وهو مشروع استراتيجي يهدف إلى تعزيز الأمن الغذائي، إلى جانب مشروع إنشاء مركز امتياز جزائري–إيطالي للتكوين والبحث والابتكار في المجال الفلاحي، الذي يحمل اسم الشخصية الإيطالية إنريكو ماتيي، ويعكس رغبة البلدين في الاستثمار في المعرفة ونقل التكنولوجيا.

كما تم الاتفاق على تسريع إنشاء غرفة تجارية جزائرية–إيطالية، من شأنها أن توفر إطاراً مؤسساتياً لتسهيل المبادلات التجارية وتشجيع الاستثمار، بما يسمح للمتعاملين الاقتصاديين في البلدين بالاستفادة من الفرص المتاحة، خاصة في ظل الإمكانيات الكبيرة التي تزخر بها الجزائر، سواء من حيث الموارد الطبيعية أو الموقع الجغرافي الاستراتيجي.

من جانبها، أكدت رئيسة مجلس الوزراء الإيطالي أن الجزائر تمثل بالنسبة لبلادها شريكاً ذا أهمية استراتيجية بالغة، مشيرة إلى أن العلاقات بين البلدين لم تبلغ في أي وقت مضى هذا المستوى من المتانة والفاعلية، وهو ما يعكس، حسب قولها، الإرادة السياسية المشتركة لتعزيز هذه الشراكة.

وأوضحت أن زيارتها الثانية إلى الجزائر خلال أقل من أربع سنوات تعكس الأهمية التي توليها إيطاليا لهذه العلاقة، مؤكدة أن التعاون الثنائي أصبح نموذجاً يحتذى به، خاصة في ظل ظرف دولي يتسم بعدم الاستقرار، حيث تحتاج الدول إلى شركاء موثوقين قادرين على ضمان الاستقرار والتوازن.

وفي الجانب الطاقوي، أشارت رئيسة الحكومة الإيطالية إلى التعاون القائم بين شركة “إيني” الإيطالية وشركة “سوناطراك” الجزائرية، مؤكدة العمل على تطوير مشاريع جديدة تشمل الغاز غير التقليدي والاستكشاف البحري، وهو ما سيساهم في تعزيز تدفق الغاز الجزائري نحو إيطاليا على المديين المتوسط والبعيد، في إطار رؤية تهدف إلى ضمان أمن الطاقة الأوروبي.

كما أكدت أن التعاون بين البلدين يشمل أيضاً مشاريع البنية التحتية الاستراتيجية، خاصة تلك المرتبطة بربط ضفتي البحر الأبيض المتوسط، من خلال خط أنابيب الغاز “ترانسمد”، الذي يمثل أحد أهم شرايين نقل الطاقة بين الجزائر وإيطاليا، ويعكس مستوى الترابط الطاقوي بين البلدين.

وفي سياق متصل، شددت على أن الطاقة لم تعد مجرد مورد اقتصادي، بل أصبحت أداة لتحقيق تنمية مشتركة، سواء بالنسبة للدول المنتجة التي تسعى إلى استثمار مواردها، أو الدول المستهلكة التي تبحث عن مصادر إمداد مستقرة، وهو ما يشكل جوهر التعاون بين البلدين في إطار خطة ماتيي لإفريقيا.

كما تطرقت إلى مشروع استصلاح الأراضي الصحراوية، مشيرة إلى أنه يسير بوتيرة متسارعة، مع توقع توسيع المساحات المزروعة من 7 آلاف هكتار إلى 13 ألف هكتار خلال موسم 2026، في إطار خطة أوسع تهدف إلى استصلاح أكثر من 36 ألف هكتار، وهو ما يعكس الطموح المشترك لتحقيق الأمن الغذائي وتعزيز الإنتاج الزراعي.

وعلى الصعيد الإقليمي، أشادت رئيسة الحكومة الإيطالية بالدور المحوري الذي تلعبه الجزائر في تعزيز السلم والاستقرار في منطقة الساحل، ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، مؤكدة دعم بلادها لهذه الجهود، كما نوهت بالتعاون القائم في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر، واصفة إياه بالنموذجي.

وفي ما يتعلق بالقضايا الدولية، شدد رئيس الجمهورية على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد في الشرق الأوسط، والدعوة إلى تغليب الحلول السياسية والدبلوماسية، فيما دعت رئيسة الحكومة الإيطالية إلى استئناف المسار التفاوضي بين إيران والولايات المتحدة، كما أكدت ضرورة التوصل إلى حل عادل ينهي الحرب الروسية–الأوكرانية.

وبخصوص القضية الفلسطينية، جدد رئيس الجمهورية موقف الجزائر الداعم لحقوق الشعب الفلسطيني، داعياً إلى إقامة دولة مستقلة وفق قرارات الشرعية الدولية، فيما أكدت رئيسة الحكومة الإيطالية أن الوضع الإنساني في فلسطين يستدعي تحركاً دولياً عاجلاً.

كما جددت الجزائر تأكيد موقفها الثابت من قضية الصحراء الغربية، الداعي إلى تمكين الشعب الصحراوي من ممارسة حقه في تقرير المصير، وهو ما شددت عليه إيطاليا بضرورة معالجته في إطار الشرعية الدولية.

وفي الجانب الثقافي، أبرزت رئيسة الحكومة الإيطالية أهمية تعزيز العلاقات الإنسانية والثقافية بين البلدين، مشيرة إلى الزيارة المرتقبة لقداسة بابا الفاتيكان إلى الجزائر، واصفة إياها بالحدث التاريخي الذي يعكس الدور الذي تلعبه الجزائر في تعزيز الحوار بين الثقافات.

وفي المحصلة، تعكس هذه الزيارة مستوى متقدماً من الشراكة الجزائرية–الإيطالية، التي تحولت إلى نموذج للتعاون الاستراتيجي المتكامل، القائم على تنويع مجالات التعاون والتنسيق السياسي، في عالم يشهد تحولات عميقة تفرض على الدول بناء شراكات قوية قائمة على المصالح المشتركة والثقة المتبادلة.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

عيد النصر في خطاب رئيس الجمهورية… من استعادة الذاكرة إلى تثبيت معادلة السيادة الشاملة

جاءت رسالة رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، بمناسبة إحياء الذكرى الرابعة والستين (64…