‫الرئيسية‬ الأولى العدوان على إيران يفتح أبواب جهنم في الشرق الأوسط
الأولى - الحدث - الدولي - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

العدوان على إيران يفتح أبواب جهنم في الشرق الأوسط

العدوان على إيران يفتح أبواب جهنم في الشرق الأوسط
شكّلت الضربات العسكرية التي نفذتها الولايات المتحدة و”اسرائيل” ضد إيران تصعيدًا نوعيًا يمثل عدوانًا عسكريًا مباشرًا على دولة ذات سيادة، ونقطة تحول في مسار التوترات التي يعيشها الشرق الأوسط منذ سنوات. فالعملية التي استهدفت مواقع داخل طهران وأصفهان وتبريز لم تكن اشتباكًا محدودًا أو ردًا على هجوم قائم، بل قصفًا واسعًا داخل العمق الإيراني استهدف مواقع ذات طبيعة استراتيجية، ما يضعها خارج إطار استخدام القوة الذي ينظمه القانون الدولي.

التوصيف الذي قدمته واشنطن و”اسرائيل” للعملية باعتبارها ضربة «استباقية» لا يغيّر من طبيعتها القانونية. فمفهوم الضربة الوقائية ظل تاريخيًا أحد أكثر المفاهيم إثارة للجدل، لأنه يسمح بتوسيع تفسير الدفاع عن النفس إلى درجة تفريغه من مضمونه القانوني. ميثاق الأمم المتحدة يحدد حالتين واضحتين فقط لاستخدام القوة، الدفاع عن النفس في مواجهة اعتداء فعلي، أو تفويض صادر عن مجلس الأمن. وفي غياب هذين الشرطين، يصبح القصف العسكري عملاً عدوانيًا وفق القراءة القانونية الغالبة في العلاقات الدولية.

جاء الهجوم بعد أسابيع من توتر سياسي ومفاوضات متعثرة، ما يعكس انتقالًا واضحًا من منطق التفاوض إلى منطق فرض الوقائع بالقوة. هذا التحول لا يعبّر فقط عن فشل مسار دبلوماسي، بل عن تغير أوسع في إدارة الأزمات الدولية، حيث تتراجع أدوات التسوية السياسية أمام خيار القوة العسكرية باعتبارها وسيلة لإعادة رسم موازين القوى.

اتساع نطاق الضربات، بالتوازي مع استهداف مواقع مرتبطة بحلفاء إيران في المنطقة، يشير إلى أن العملية تتجاوز حدود رسالة ردع محدودة. الهدف الظاهر يتمثل في الضغط الاستراتيجي لإعادة تشكيل التوازن الإقليمي، غير أن التجارب السابقة في المنطقة تُظهر أن الضربات العسكرية غالبًا ما تؤدي إلى نتائج عكسية، إذ تدفع الطرف المستهدف إلى تعزيز قدراته الردعية بدل تقليصها، ما يفتح مسار تصعيد متدرج يصعب التحكم فيه.

إيران اعتبرت ما حدث عدوانًا وانتهاكًا مباشرًا لسيادتها، وأكدت أن الرد حق مشروع وفق القانون الدولي. هذا الموقف يضع المنطقة أمام مرحلة شديدة الحساسية، حيث تصبح احتمالات الرد العسكري جزءًا من معادلة الردع الجديدة، ما يرفع خطر توسع المواجهة إلى صراع إقليمي متعدد الجبهات، في ظل شبكة تحالفات متداخلة تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط.

تداعيات العدوان لا تقتصر على البعد العسكري. فإيران تحتل موقعًا جغرافيًا حاسمًا في منظومة الطاقة العالمية، وأي تصعيد طويل قد يهدد استقرار طرق الإمداد وأسواق النفط والغاز، بما ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي الذي لا يزال يعاني من هشاشة بنيوية بعد أزمات متلاحقة. بهذا المعنى، تتحول الضربة من حدث عسكري إقليمي إلى عامل ضغط اقتصادي عالمي.

في المستوى الأعمق، يعيد ما جرى طرح سؤال جوهري حول مستقبل النظام الدولي. فالتوسع في استخدام القوة خارج الأطر الأممية يقوض تدريجيًا فكرة الأمن الجماعي التي تأسس عليها النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، ويعيد الاعتبار لمنطق القوة الأحادية بدل الشرعية القانونية. استمرار هذا المسار يخلق سابقة قابلة للتكرار في نزاعات أخرى، ما يهدد بتحول قواعد العلاقات الدولية نفسها.

الخبرة التاريخية تشير إلى أن العمليات العسكرية التي تُبرر باسم الاستقرار غالبًا ما تنتج العكس. فالضربة لم تُنهِ التوتر القائم، بل رفعت مستواه، ونقلت الصراع من حالة الاحتواء غير المباشر إلى احتمال المواجهة المفتوحة. ومع تراكم بؤر التوتر القائمة أصلًا، من غزة إلى جنوب لبنان والبحر الأحمر، يصبح أي تصعيد إضافي عنصرًا مضاعفًا لعدم الاستقرار الإقليمي.

ما حدث لا يمكن قراءته كعملية محدودة زمنًا أو هدفًا، بل كحلقة ضمن مسار أوسع لإعادة تشكيل التوازنات بالقوة العسكرية. فالضربات الأميركية ـ “الإسرائيلية” على إيران تمثل عدوانًا يفتح مرحلة أكثر خطورة، حيث يصبح التصعيد احتمالًا دائمًا، وتتراجع المساحات السياسية لصالح الحسابات العسكرية.

الشرق الأوسط يقف اليوم أمام بداية مرحلة جديدة لا تتحدد ملامحها بنتائج الضربة نفسها، بل بردود الفعل التي ستليها. وفي مثل هذه اللحظات، لا تُقاس خطورة الأحداث بما وقع بالفعل، بل بما أصبح ممكنًا بعدها.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

تصاعد خطير للعنصرية ضد الجزائريين في فرنسا

تشهد فرنسا في الفترة الأخيرة تصاعدًا لافتًا ومقلقًا في مظاهر العنصرية الموجّهة ضد الجزائري…